أيهما شرك ؟ وأيهما بدعة؟ فصل السياسة عن الدين؟ أم الدمج بينهما؟

كتبها الشورى ، في 30 سبتمبر 2006 الساعة: 07:20 ص

أيهما شرك ؟ وأيهما بدعة؟

فصل السياسة عن الدين؟ أم الدمج بينهما؟

 بقلم أحمد الكاتب

يعاني كثير من المفكرين، ورجال الدين ، وأبناء الحركات الاسلامية أزمة مستعصية لم يجدوا لها حلا حتى الآن، وهي تكمن في هذا السؤال: ما هو الخيط الأبيض من الخيط الأسود بين الدين والسياسة؟

  قبل أيام قرأت لأحد المشايخ في البحرين ما يلي:"إن دعوة فصل السياسة عن الدين شرك صريح بالله عز وجل، فلا يمكن أن يحتكم المسلمون لغير حكم الله تعالى إذا فصلت السياسة عن الدين . وإن هذه الدعوة مغرضة و غربية شركية جاهلية، لا تتصل بالإسلام والمسلمين مطلقاً، كما أنها أفكار هدامة تعلمها أبناء المسلمين من الغرب حينما استعمر المستعمرون البلاد الإسلامية وصدقها المسلمون وعملوا بها وأخذوا يروجون لها".

  ويبدو ان الشيخ كان يرد على دعوى شيعية تتهم نظام الخلافة عبر التاريخ، ومنذ سقيفة بني ساعدة، بالانفصال عن الدين، وذلك بحجة مخالفة أهل السقيفة لوصية الرسول الأعظم بالخلافة الدينية للامام علي بن أبي طالب وبنيه من بعده.

  ورغم إجماع أهل السنة على رفض هذه الدعوى، والقول بأن الرسول الأعظم (ص) لم يعين خليفة من بعده، وأن الامامة والخلافة تقوم على الشورى واختيار الأمة للامام، فان الفكر السياسي السني عبر التاريخ، وخصوصا في القرن الأخير، مال الى اعتبار نظام الخلافة نظاما دينيا روحيا مقدسا فريدا.

  ومع ان نظام الخلافة نفسه عرف أشكالا مختلفة، مثل اختيار أهل الحل والعقد للخليفة، كما في حالة اختيار أبي بكر بواسطة شيوخ المهاجرين والأنصار، ومثل حالة العهد والتعيين، مثل حالة عهد أبي بكر الى عمر، ومثل انتخاب الامام عبر الشورى ، كالشورى التي انتخبت عثمان، ومثل الانتخاب الجماهيري، كحالة انتخاب الامام علي، كما عرف نماذج أخرى مثل التغلب بالسيف والعهد الى الاخوة والأبناء، وتفويض السلطة والخلافة الى الوزراء وضباط الجيش والسلاطين الذين كانوا يهيمنون على الخلافة.. مع ذلك فقد اعتبر الفكر السياسي السني كل تلك النماذج شرعية وصحيحة.

وربط بعض الفقهاء  كابن تيمية شرعية الحكام بمدى التزامهم بالشرع، بغض النظر عن طريقة وصولهم الى السلطة. وهذا ما يقوله الشيخ البحريني الذي اعتبر طاعة من لا يحكم بما أنزل الله، أو يحتكم الى الكفار نوعا من الشرك وانفصال السياسة عن الدين . ولكي يدمج الشيخ بين السياسة والدين ويزيل شرك الطاعة دعا الى تسليم السلطة التشريعية الى رجال الدين. واستنكر مقولة:  أن المشايخ وعلماء الدين لا دخل لهم في السياسة والتشريع، وأن مهمتهم هي الإفتاء في الصلاة والزكاة والحيض والنفاس، أما السياسة فهي شغل السياسيين والإعلاميين..

  لقد اعتبر الشيخ هذه الدعوة مشابهة لدعوة النصارى "دعوا ما لله لله ، وما لقيصر لقيصر". وتجسيدا لمقولة فصل الدين عن السياسة.

  وما لم يقله الشيخ قاله آخرون: لكي ندمج بين الدين والسياسة علينا أن نسلم السلطتين التشريعة والتنفيذية لرجال الدين، انطلاقا من فرضية أن رجال الدين أعرف بالدين وأكثر التزاما به، وان الدين يشمل كل المساحة السياسية، فلا تبقى لغير رجال الدين سلطة على شيء.

  تقودنا هذه النتيجة الى القول بنظرية ولاية الفقيه التي يقوم عليها نظام الحكم في الجمهورية الاسلامية الإيرانية. ولكن هذه النظرية تواجه أسئلة مهمة: هل للدين أحكام تفصيلية في الاقتصاد والسياسة والصحة والنفط والتربية والتعليم وسائر الحقول الاجتماعية؟ أم انه يقدم قيما واخلاقا ومعايير فقط؟ ما عدا بعض الأحكام والقوانين العائلية (أحكام الزواج والطلاق، وعقوبة الزنا والسرقة) وبالتالي فهل رجال الدين أعلم من غيرهم بجوانب إدارة الدولة؟ وهل رجال الدين أكثر التزاما بالدين من غيرهم؟

  هنا يكمن موضوع الاختلاط بين الدين والسياسة. حيث يقول البعض ان الاسلام قدم أحكاما محدودة فقط، وترك مجالات الإدارة والسياسة للمصلحة العامة والعقل والعرف والعلم، وأعطى للأمة صلاحية التشريع في تلك المجالات التي لا تتعدى حدود الله. وان أي دمج بين الدين وبين السياسة بهذا المعنى ، هو دمج بدعي لا يستند الى أساس شرعي، وان محاولة رجال الدين الهيمنة على الحياة السياسية بحجة أنهم أعرف بكل نواحي الحياة وأنهم أكثر تدينا من غيرهم، هي سر المشكلة والتخبط.

 وهكذا يختلط الخيط الأبيض بالخيط الأسود، وتضيع حدود الدين كما تضيع حدود السياسة.

  ورأيت كاتبا اسلاميا آخر يفاخر بأن النظام الاسلامي متميز عن غيره، وانه لا يعرف الثيوقراطية ولا الديموقراطية، "فالإسلام يقدم للبشرية نموذجاً من النظام المتكامل لا تجد مثله في أي نظام عرفته الارض، من قبل الإسلام ومن بعده سواء، والإسلام لا يحاول ولم يحاول أن يقلد نظاماً من النظم، أو أن يعقد بينه وبينها صلة أو مشابهة، بل اختار طريقه متفرداً فذاً، وقدم للإنسانية علاجاً كاملاً لمشكلاتها جميعاً". وينتقد الكاتب الشيخَ المودودي لجمعه بين هذه المصطلحين في تعريف النظام السياسي الاسلامي، لأن الله خوّل المسلمين السيادة المقيدة بالشرع".  ويقول: الحاكم الحقيقي في النظام السياسي الإسلامي هو الله تعالى والسلطة الحقيقية والتشريع كلها مختصة بذاته، وعليه فليس لفرد أو أسره أو طبقة أو حزب وما الى ذلك نصيب من السيادة أو التشريع. ومن هنا يأتي القول بزيف وبطلان النظريات الوضعية في التشريع، والتي تجعل التشريع من حق الحاكم أو المجتمع .

 ويضيف ذلك الكاتب:إن الحكومة الإسلامية لا تشبه الأشكال الحكومية المعروفة؛ فليست هي حكومة مطلقة يستبد فيها رئيس الدولة برأيه، عابثاً بأموال الناس ورقابهم. وهي ليست مطلقة وانما دستورية، ولكن لا بالمعنى الدستوري المتعارف الذي يتمثل في النظام البرلماني أو المجالس الشعبية، وانما هي دستورية بمعنى أن القائمين بالأمر يتقيدون بمجموعة من الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنة، والتي تتمثل في وجوب مراعاة النظام الالهي. ويكمن الفرق بين الحكومة الإسلامية والحكومة الدستورية الملكية منها والجمهورية في أن ممثلي الشعب أو ممثلي الملك هم الذين يقننون ويشرعون، في حين تنحصر سلطة التشريع بالله عز وجل. أما من جهة تولي السلطة فلا تتشابه مع الملكية التي يتولى الملك فيها ـ عادة ـ السلطة بواسطة القوة والغلبة أو الوراثة وولاية العهد، أضف الى ذلك ليست هي حكومة جمهورية حسب المفهوم الغربي. وأخيراً ليست هي بحكومة فردية، فالفرد – غالباً - ما يجنح نحو الاستئثار بالسلطة ويمارس الدكتاتورية.

  وبالرغم من أن الكاتب يرفض صفة الثيوقراطية للحكومة الاسلامية، الا انه يتشبث بنظرية النص على الإمام وتعيينه من  قبل الله، وأن ليس للعامة أو الجمهور دخل في تعيينه أو انتخابه. وفي حالة عدم وجود الامام المعين من قبل الله، فانه يعطي السلطة ، كل السلطة، لنائب الامام الغائب، وهو الفقيه العادل. وربما يقول أيضا: بأن اختيار الفقيه العادل، وان كان بواسطة الناس اليوم، الا انه يتم بعناية الله تعالى ودعم الامام الغائب من وراء الغيب.

  وهذا في الحقيقة نوع من الفكر الثيوقراطي، إذ أنه ليس سوى القول بأن الامام يستمد سلطته من الله، وأما القول الثاني فهو نوع من مخفف من الفكر الثيوقراطي، الذي يزعم بأن الامام يحظى بدعم غيبي من الله، أو انه يتمتع  بنوع من القدسية والمسحة الدينية.

  ورغم إدعاء هذا الفكر باستلهام الحاكم لمبادئه وتعاليمه من القرآن الكريم والسنة المطهرة، الا انه يقوم على افتراض التزام الحاكم "الديني" دائما بالدين، وتقواه وورعه واخلاصه، وعدم امكانية انحرافه واتباعه للهوى وتغليف ذلك الانحراف باسم الدين. وهذا ما يخالف الواقع  والتاريخ الذي يقدم لنا نماذج كثيرة من الحكام المنحرفين الذين كانوا يضفون على أنفسهم صفات الدين ويدعون حراسته والدفاع عنه والجهاد في سبيل الله.

  ومن الذي يضمن أن يلتزم الحكام الذين يتسترون بالدين، بأحكامه ولا يحيدون عنه؟ ولا يتبعون أهواءهم ومصالحهم الخاصة؟ وأنهم لا يأمرون بالمنكر، ولا ما يخالف الحق والعدل؟

صحيح ان الفقهاء الدستوريين المسلمين أكدوا على كون الخلافة (حراسة للدين، وسياسة للدنيا) كما يقول الماوردي وابن خلدون. ولكن كم من الخلفاء كان يقوم بهذه المهمة؟ وكم منهم كان ينتهكها؟ أو يحولها الى حراسة للعرش وسياسة لمصالحه الخاصة؟  

  نعود الى السؤال الأول: ما هو الخيط الأبيض من الخيط الأسود في العلاقة بين الدين والسياسة؟ لنقول: ان السياسة يجب أن تقوم على مباديء الدين من القيم والأخلاق وتنفيذ أحكام الشرع وخدمة المصلحة العامة. ولكن تجريد الأمة من حقوقها السياسية باسم الاسلام ، وتسليم السلطة لفئة معينة  كرجال الدين، والاعتقاد بأنهم يحظون برعاية غيبية ، أو انهم معينون من قبل الله، يشكل وقوعا في المحظور، وتبنيا لما هو مرفوض، وخلطا بين الدين والسياسة لا يقبل به الدين.

أليس كذلك؟

ahmad@alkatib.co.uk

 

  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر