الاصطفاف الطائفي… أين تكمن المشكلة؟. وكيف يكون الحل؟
كتبها الشورى ، في 29 يونيو 2008 الساعة: 19:10 م
لا أعتقد أن ثمة من يعارض في وصف السياق الاجتماعي الإسلامي المعاصر بأنه سياق التكور والتمحور حول الكانتونات الطائفية بامتياز. ذلك السياق الذي خفت فيه، وإلى حد كبير، الصوت القومي. لينتفض على أنقاضها الصوت الطائفي بكافة تمظهراته. وهو ما يعني أن الأيديولوجيات الشمولية التي تنفي خطاب العلم لصالح خطاب الأيديولوجية، وفردية الإنسان لصالح براغماتية الطائفة، تتبادل الظهور والخفوت وفقا لنوع السياق الاجتماعي/ السياسي الذي يحتضنها.
لكن الذي لاشك فيه أنه ما أن تظهر الطائفية بأي صفة كانت، وفي أي مجتمع عبر التاريخ، حتى يغيب، كنتيجة لازمة، الإنسان والوطن معا، لأن الولاء، كسلوك سيكولوجي، لا يمكن تجزئته بحيث يغطي الشراكة في الطائفة والإنسانية معا. بل يمكن القول، إن التمحور الطائفي، المدعوم بدعوى امتياز امتلاك الحق الحصري، لا بد وأن يقضي، في مآلاته النهائية، حتى على الوحدة الدينية ذاتها المبتغاة وفق وصف الأمة الواحدة التي تنتمي إلى دين واحد.
والسياق الاجتماعي/ الفكري الذي تُسوَّق من خلاله الطائفية في الوقت الحاضر، كما كان سابقا وفي كل حين، سياق يعتمد على استدعاء «اللاتاريخي» المتخم بثقافة الأسطرة والغيبية والتفرد الطهراني والفرقة الناجية، وتعلية التاريخي إلى مرتبة العقدي. وهو سياق يختلف، سواء في محفزاته أو فيما يترتب عليه من نتائج، عن المنهج التاريخي الذي يفسر الطائفية كظاهرة اجتماعية انغرست في التاريخ بفعل صراع مصالح سياسية تولى كبرها فاعلون اجتماعيون كانت لهم أجنداتهم التي كانت، حينها، لن تتحقق إلا بالتعالي بالطموحات السياسية لتكون فوق التاريخ.
لا بد من الوعي هنا، وعلى متن التفكير الجاد في الدخول على خط محاربة الطائفية، أن السياسة القديمة شكلت الأرضية وأمنت البذرة وتعهدت بالسقيا للتشكلات الطائفية «العقدية». لا أقصد هنا أن السياسة، بمعناها المباشر الذي ينصرف إلى السلطة القائمة آنذاك، كانت هي دائما المحرك الوحيد للطائفية من منطلق نفعي محض، وإن كان ذلك يشكل جزءاً من الجذر التاريخي للمشكلة، بقدر ما أود أن أؤكد على أن التشكلات الطائفية نفسها كانت قد مارست السياسة في طور تشكلها الأول في شكل مواقف اتخذته كل منها من السلطة القائمة من جهة، كما كانت قد مارستها باتخاذ أجندات سياسية امتطتها نحو المطالبة ب “حقوقها السياسية”، أو ما توهمتها حقوقا سياسية لها، من جهة أخرى. وهو ما يعني في النهاية أن الظل السياسي للتحزب الطائفي للفرق، التي كانت بطبيعتها، كما يقول الجابري، عبارة عن أحزاب سياسية، كان موجودا، سواء كان مفروضا عليها من خارجها، أو كان نهجا داخليا فرضته ظروف التنافس مع الطوائف الأخرى على امتلاك زمام أمور السياسة بمعناها المباشر الذي يرمي إلى الوصول إلى حكم الناس في نهاية الأمر.
ولعل الاستقراء التاريخي لتشكل التجربة المذهبية في التراث الإسلامي يؤكد تلك الخصيصة التي تحدثنا عنها آنفا، أعني الحضور السياسي في التمحور الطائفي العقدي لوحده. فالمذاهب الفقهية، على تعددها وثرائها واختلافها حد التباين أحيانا، لم تُثر في يوم الأيام أي صراعات طائفية بين أتباعها. ولو فتش الباحث المنصف عن السر الكامن وراء «سلمية» العلاقة بين تلك المذاهب الفقهية، فسيجده متمثلا في نأي مؤسسيها بأنفسهم عن الحِمى السياسي،سواءً كان من موقع الفاعل أو من موقع المنفعل. هذا إلى جانب أنها، أعني المذاهب الفقهية، لم تنشأ كجواب على أسئلة براغماتية سياسية. ولعل في رفض الإمام مالك رحمه الله طلب الخليفة أبي جعفر المنصور اعتماد “موطئه” كقانون فقهي وحيد بقوة السلطة خير دليل على ذلك. بنفس الوقت الذي سيجد فيه، أعني الباحث، أن معركة الصراعات التاريخية قد اشتد أوارها دائما حول التراث العقدي التاريخي الذي دارت رحاه مع دوران رحى السياسة. وعندما نؤكد على أن الصراعات دارت حول التراث «العقدي التاريخي»، الذي نضعه هنا بين معكوفتين، فلأن مصادرنا لا تنبئنا عن أن تلك الصراعات، المادية منها والمعنوية، دارت في يوم من الأيام، «أقصد بين الطوائف الإسلامية»، حول أصول العقائد المتمثلة بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. بقدر ما تؤكد لنا على أنها دارت حول رؤى سياسية ألحِقت بالعقائد قسرا حتى تكتسب بعدا متعاليا يبرر للمريدين والأتباع ركوب الصعب دفاعا عنها، كما ويوطئ الوجدان الشعبي للقبول بمكوناتها ومن ثم بنتائجها. والفاعليون الاجتماعيون الذين أذكوا الصراع العقدي في التاريخ الإسلامي يدركون أنهم كانوا لا يستطيعون أن يمرروا أجنداتهم السياسية لو أنهم اكتفوا باستصحاب التراث العقدي الرباني الذي ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته عليه كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها. لأن الكل، القمة والقاعدة، كانوا ولا يزالون متفقين عليه، بحيث لا يمكن أن يختلف الفرد منهم حوله أو عليه إلا ويجد نفسه،بالضرورة، خارجا عن حمى الإسلام نفسه.
ولعل أولى خطوات معالجة الاصطفاف الطائفي، الذي يميز السياق الإسلامي الحالي، تكمن في الوعي أولا بأنها، أي الطائفية، ليست أكثر من ظاهرة اجتماعية لها جذورها التاريخية ومحفزاتها الفكرية التراثية، التي تمتح من ظلال المعنى خاصة، والتي ضربت، ولا تزال، على الوجداني بشكل كامل، بعيدا عن أن تتماس مع العقلي في تمرير أجندتها وإلا سقطت مع أول مواجهة. يستوي في ذلك، أعني التعايش مع مفردات الطائفية، الثقافة العالِمة وغير العالمة. ثم تكمن، ثانيا، في العودة إلى نقاء وصفاء الإسلام السهل الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلِّمه للأعرابي الذي كان يفد عليه من الصحراء، فماهي إلا لحظات حتى يتعلم أركانه ويصبح مسلما حقا له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين. يكفي أن نتذكر، في هذا المجال، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة مجيء جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في نفر من أصحابه، في صورة إنسان يسأله ويتلقى الإجابة، والشاهد منه أنه «أي جبريل» قال للنبي صلى الله عليه وسلم:«أخبرني عن الإسلام؟ قال : الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، ليقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لصحابته، الذين شهدوا الواقعة واستفسروا عن ذلك الإنسان الذين كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصدقه في جوابه، : هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم. وكذلك قصة جارية معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من أن النبي صلى الله عليه وسلم سألها بقوله: أين الله؟ قالت: في السماء. قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة. وأيضا قصة الملكين اللذين يأتيان إلى الميت في قبره، الواردة في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، الذي فيه أنهما، أي الملكين، يأتيان الميت في قبره فيجلسانه فيقولان له: من ربك فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ قال: فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت.
هذا هو الإسلام الذي بُعث به رسول الله عليه وسلم، ليس فيه تعقيد ولا كهنوت ولا تراتبيات ولا امتحانات عقدية ولاغيرها. ولعلي لا أبعِد النجعة إذا قلت إن هذا النهج المحمدي الواضح والسهل والفريد من نوعه لعرض الإسلام بأصوله العقدية القاطعة التي دخل الناس، بسببها، في دين الله أفواجا هو ما يجب أن تُضمَّنه المناهج الدينية في طول البلاد الإسلامية وعرضها. بنفس الوقت الذي يجب فيه تجنيبها، أعني المناهج الدراسية، كل ما ينتسب إلى التاريخ من تراث صال فيه ولأجله المتصارعون حول الطائفية. أو أن نعرض ذلك التراث الصراعي بشكله التاريخي البحت بعد أن ننزله من النطاق المتعالي الذي أراد الفاعليون الاجتماعيون في الزمن الغابر أن يتعالوا به إليه. أما أن تضمن المناهج في البلاد الإسلامية، الموجهة للعقول الغضة من أبنائها، أقوال الفرق والمذاهب مجتزأة من سياقاتها اللغوية والتركيبية ومجردة كذلك من سياقاتها التاريخية، ثم تشكو المجتمعات الإسلامية أو تتشاكى بعد ذلك من صعود نجم الطائفية فلن تكون، حينها، بعيدة عما عناه الشاعر العربي بقوله:
وقد شاءت إرادة الحكيم تعالى أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وليس هناك، خاصة في الزمن الطائفي المعاصر، أولى من تغيير ما علق بالتراث التاريخي من تعالٍ بصراع اجتماعي/ سياسي أدى به إلى أن يكون حاكما على الماضي والحاضر وربما المستقبل!!!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























