الطريق إلى الوحدة
كتبها الشورى ، في 13 أكتوبر 2006 الساعة: 16:32 م
الباب الثالث: الطريق إلى الوحدة
إذن فان الشيعة والسنة متفقون في العقيدة ومختلفون في التاريخ والسياسة، وان الأزمة الطائفية التي نشاهدها أحيانا هنا وهناك هي وليدة الديكتاتورية وثمرة من ثمارها المرة، وليست الخلافات بين الطائفتين بخلافات حيوية معاصرة، أو ذات مضمون اجتماعي راهن، وانما هي خلافات "اسمية" وهمية، تاريخية، قشرية، وليست جوهرية.
ان الطريق الى الوحدة الاسلامية يبدأ من الديموقراطية، والديموقراطية تبدأ من العقل والنفس. انها تبدأ من الزهد في الدنيا، والتواضع للآخرين، وعدم التكبر عليهم والاستئثار بأموالهم وحقوقهم ومصالحهم. وتنتهي بالالتزام بالنظام الديموقراطي الذي يحترم التعددية ويقبل بالآخر، ويعترف بحق الاختلاف للآخرين ، ويحترم مشاعرهم. ولقد أخطأ كثير من السلف حين اعتقد كل منهم أنه فقط يشكل الفرقة الناجية أو الشخص الناجي من الأمة، وذهب الى تكفير الفرق الأخرى أو تبديعها أو تضليلها، في أمور خلافية جزئية بسيطة لا تصل الى درجة الكفر بالله تعالى.
وغني عن القول هنا انه لا بد من اعتبار كل من يؤمن بالله واليوم الآخر وبنبوة الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) هو أخ مسلم بغض النظر عن هويته الطائفية، أو الاختلاف معه حول بعض التفاصيل الجزئية، ولا بد من وضع الأمور في نصابها بعدم تضخيم السلبيات الجزئية، أو توهين المشتركات الأساسية الجامعة، انسياقا وراء حملة إعلامية مضادة أو تمهيدا لحرب سياسية أو عسكرية شيطانية.
ومن أجل تعزيز هذا الموقف لا بد من الاستعانة بالقرآن الكريم والعودة اليه، حيث يقول:"وان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" الأنبياء 92 وفي آية أخرى "…فاتقون" المؤمنون 52. وفي نفس الوقت لا بد من التحرر من أسر التراث وفتاوى العلماء السابقين حتى لو كانوا رؤساء مذاهب، اذا كانت فتاواهم متطرفة وتتعارض مع روح القرآن الكريم والوحدة الاسلامية. ولكي نتحرر من ذلك التراث الثقيل الذي يفرض نفسه على العقل المعاصر، لا بد من القيام بحركة نقد قرآنية للأحاديث المنسوبة الى الرسول الأعظم، ودراسة الظروف السياسية التي ساهمت بتكوين المذاهب، والاجتهاد في أمور العقيدة والفقه والتاريخ. وبالطبع فان ذلك لن يمكن الا بنبذ التعصب الأعمى والتقليد للآخرين. والتحرر من أسر المصطلحات الموروثة (كالسنة والشيعة) لأنها غير دقيقة ولا معبرة عن الحقيقة، خاصة عندما يتم إلصاقها بالوراثة على كل مولود يولد في العالم الاسلامي وهو لا يفقه من تلك الأسماء شيئا.
لقد نشأت تلك الأسماء والمسميات في ظروف تاريخية معينة ، وكانت تحمل دلالاتها الواضحة، ثم تطورت وانتشرت، ودخل في كل طائفة أو مذهب، أشخاص جدد، وجماعات مختلفة، حاولوا صبع المذاهب السابقة بهوياتهم وأفكارهم، وطرد أصحاب المذاهب الأصليين من العناوين التي "تنتمي" اليهم، ثم تشعبت المذاهب والطوائف، عبر التاريخ، واحتوى كل واحد منها على مجموعة تيارات وأحزاب ومذاهب، حتى لقد أصبحت كل طائفة تضم مجموعة طوائف، وربما تقاتل هؤلاء مع اخوانهم، وتحالف فريق منهم مع أعداء الأمس أو اقتربوا من فكرهم، حتى صعب في الواقع تعريف أي مذهب او التفريق بينه وبين المذاهب الأخرى.
ومن هنا لا بد من الحذر من الانخداع بتضليل الأسماء، وضرورة النظر الى واقع كل انسان على حدة، وتقييمه بصورة خاصة، وعدم الخلط أو التعميم أو النظر الى الجميع نظرة واحدة. وأن من الخطأ الكبير التقاط صورة فتوغرافية جامدة وثابتة لفئة معينة في حقبة معينة، والاعتقاد باستمرار تلك الصورة عبر التاريخ، أو انتماء جميع الناس اليها الى يوم القيامة، فان المجتمعات الانسانية ، والطوائف جزء منها، متحركة ومتغيرة كأمواج البحر، وكل يوم هي في شأن. وهذا يحتم علينا قراءة كل طائفة أو مذهب، كل يوم، وعدم الاعتماد على قراءة السلف لهم في القرون الأولى. وهكذا يصح القول: ان أسماء الطوائف "السنية" و"الشيعية" هي أقرب الى الوهم منها الى الحقيقة. وان التقسيم الحقيقي الذي يقسم الأمة الاسلامية اليوم هو الذي يضع غالبية الأمة في جانب، ويضع الطغاة والمستبدين (المنافقين) في جانب آخر.
لقد قسم القرآن الكريم المجتمعات الانسانية ، في أول سورة البقرة، الى ثلاثة أقسام هي: المؤمنون، والمنافقون والكفار، وأوضح صفات المؤمنين المفلحين وهي الإيمان بالله والغيب والملائكة والنبيين واليوم الآخر وإقامة الصلاة والزكاة، تلك الصفات التي نجدها لدى عامة أتباع المذاهب الاسلامية. وحذر من صفات المنافقين ، التي قد نجدها بين فئات تندس بين صفوف مختلف الطوائف، ولم يقسم المسلمين الى "سنة" و "شيعة". فلماذا لا نبحث عن الخارطة الحقيقية التي يرسمها الله تعالى، ونتحد في مواجهة المنافقين، الذين يعتبر الظلم والاستبداد والاعتداء على حقوق الآخرين وحرياتهم ومصالحهم، أهم صفاتهم، وهم الذين يعاني منهم جميع المسلمين من مختلف الطوائف.
الخطوات العملية لتحقيق الوحدة الاسلامية:
واذا كان ما وصلنا اليه صحيحا، ونعتقد انه صحيح، فعلينا ان نقوم بخطوات عملية من أجل تذويب الرواسب التاريخية وهدم الجدران الطائفية الوهمية، وتوحيد القواعد الشعبية، وذلك من خلال ما يلي:
1- دمج المعاهد الدينية والحوزات العلمية، من ناحية البرامج والطلاب والأساتذة، وخلق بيئة وحدوية للحوار والمقارنة والتفكير الحر.
2- توحيد زي رجال الدين، أو نزع الصبغة الطائفية عنه، وذلك لما لأزياء رجال الدين من دور في تكريس الانقسام الطائفي في ذهن الرأي العام.
3- الانفتاح الثقافي على الآخر وتوفير الحرية الاعلامية للجميع، وعدم فرض الرقابة على اي منتج ثقافي مغاير.
4- الدراسة في الجامعات المختلطة، وتبادل الزمالات الدراسية بني المدن والدول المختلفة طائفيا
5- رفع الصبغة الطائفية عن مساجد الله، وجعلها لجميع المسلمين، وذلك بأداء الصلاة المشتركة وراء علماء من السنة والشيعة، واتخاذ قرار شعبي بالصلاة في جميع المساجد دون استثناء، ورفض الفتاوى الطائفية الضيقة التي تحرم الصلاة خلف المذاهب الأخرى.
6- تجنب السكن في المناطق المنعزلة طائفيا ، والاصرار على التعايش المشترك في المناطق العامة، والانفتاح على أبناء الطوائف الأخرى اجتماعيا، بإقامة علاقات حسن جوار وصداقة وتعارف.
7- الزواج المختلط، ونبذ الفتاوى الضيقة المتعصبة الانعزالية التي تحرم ذلك الزواج.
8- الاشتراك في النوادي الرياضية المختلطة، وعدم تشجيع النوادي ذات الصبغة الطائفية.
9- الاشتراك في الجمعيات والاتحادات الطلابية والعملية والنقابات والمنتديات الثقافية الوطنية، فوق الطائفية
10- السياحة والسفر الى البلاد المحتلفة طائفيا، والاختلاط بالناس والتعرف على الثقافات الأخرى.
11- الانتماء الى الأحزاب الوطنية، وفي الأطر الوطنية، بعيدا عن الطائفية.
12- التعاون الاقتصادي، وتشكيل شركات مساهمة وطنية، ونزع الصبغة الطائفية عنها، وتجنب المقاطعة الاقتصادية الطائفية، أو التحقيق عن الهوية الطائفية لأصحابها.
تم بحمد الله الانتهاء من تسجيل وجهة نظري حول مشروع كتاب (السنة والشيعة.. وحدة الدين والأصل، وخلاف التاريخ والسياسة) وذلك بتاريخ 18 تموز 2005 في لندن
أحمد الكاتب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























