الأعظمية والكاظمية يتعانقان مجددا على وهج المحبة البغدادية
كتبها الشورى ، في 27 يوليو 2008 الساعة: 11:47 ص
GMT 7:30:00 2008 الأحد 27 يوليو
عبد الجبار العتابي من بغداد: قيل انه سيعود قريبا جداً..، حينها تململ جسده المكتظ على نفسه منذ ثلاتة اعوام، حاول ان يرفع رأسه المثقل ويرى ما حوله، دارت عيناه حوله اكثر من مرة، واستذكر شريط احداث مرت عليه وجعلته يهمد، امتعض ومن ثم حدق في الامكنة المحاذية اليه، لم يعجبه المنظر حيث ربضت على اجزاء منه الكتل الكونكريتية لاسيما اطرافه حيث الطريق المؤدية فيه من هنا ومن هناك، تمنى ان يدفع عنه هذه (الاقدار) لكنه لم يستطع لانها جائمة بأوامر عليا ولاسباب كان يعرفها وكان عليه ان يسمع ويطيع!!، نظر الى نفسه.. كان رثا اشعثا، زواياه تحتضن اكداسا من خزعبلات الاتربة وماحملته الريح، سياجه الحديدي مكفهر ولونه الاخضر لم ييق منه سوى اثر، اما رائحته فلولا نسائم النهر من تحته لكانت رائحة جثة ملقاة على قارعة الطريق، واراني اسمع صدى لكلمات قالها الشاعر الليبي عاشور الطويبي :
جسر الأئمة يئن
من ثقل الأحذية الفارغة
من صراخ في أول النفق
من أنفاس دحرجتها أقدام الكراهية
من نار تحرق أعشاب النهر الحائر منذ دهور
هذا هو الجسر الذي يحمل اسم (الائمة)، الذي يربط الكرخ بالرصافة من الجهة الشمالية لبغداد، يربط ضفتي مدينتي الاعظمية (الرصافة) والكاظمية (الكرخ)، الجسر الذي اغلق بعد حادث التدافع الذي وقع فوق الجسر نهاية آب / أغسطس من عام 2005، واودى بحياة أكثر من ألف شخص كانوا ينوون تأدية زيارة الإمام موسى الكاظم في ذكرى وفاته السنوية، قيل انه الان في حالة استعداد لكي يفتتح، هذا الخير اشعر الناس بالسرور، وقفوا ينتظرون تلك الساعة الجميلة التي سيتم فيها تزيينه ورفع الحواجز عنه واستقبال طريقه لخطى العابرين، تحدثوا مع انفسهم ومعه عن قرب وعن بعد، لانهم يعرفون معنى افتتاح الجسر الذي يربط هاتين المدينتين، انه اول جسر يطول به الامد مغلقا.
كان الجسر هناك بكامل وعيه وبقوة ناظريه وجسده، احتمل الالاف التي عبرت وتكاد تعبر، لكنه في لحظة ارهاب لم يستطع ان يضم الجميع اليه فتهاووا في النهر الخالد يخلدون في اعماقه، لم يزل الجسر على الحالة التي تركته فيه الفاجعة، اغلق حتى اشعار اخر، حتى (يحب اهل الكاظمية والاعظمية بعضهما!!)، صورة مضحكة، ولكنها حقيقة، تمثلت في ان يتم منع التزاور والغاء العبور وتشتيت افكار كانت راسخة في عبور الجسر الى الضفتين، الى الكاظمية والاعظمية، على الرغم من ان الجسر يقوم على اكتاره ائمة هادون ينثرون المحبة على الناس والتسامح.
لا اريد ان اذهب الى ماضيه، او اتوقف عند ذاكرته بعد الحرب العالمية الاولى حيث كان مجرد جسر عائم ( طوافات متلاصقة ومربوطة بحبال متينة يطلق عليها في اللهجة العراقية الدارجة (الدوب) ومفردها(دوبة)، ولا ما صار عليه بعد الحرب العالمية الثانية وقد اكتمل في اواسط خمسينات القرن الماضي، (حيث كان يعد واحدا من أجمل جسور بغداد الاربعة وقتذاك)، بل اريد ان اقف عنده بعد (الحرب العالمية الثالثة ) التي اقامها الارهاب في العراق وراح يزرع الخراب والفتنة ويكدس شره استيرادا وتبرعات، وارسم صورة للحنين الذي كان يكبر في النفوس، فهو جسر شارك في رسم ملامح مدينة بغداد لاسيما ان الاعظمية مدينة ليست عادية، وارتباطها بشمالي الكرخ يأتي من خلال الجسر، مثلما الكاظمية ليست عادية والتقاؤهما يعني التقاء لاستتثنائيين، يشكلان اندماجا حقيقيا، للمؤهلات الكثيرة التي يمتلكانها، وقد عطل اغلاقه حركة كانت دائبة، حركة الناس والتجارة والتواصل والمحبة والجمال، عطل اختصارات الوقت وديمومة العطاءات الحياتية، اغلاقه اوقف الدنيا حوله تماما وجعل الاشواق ترتعد حزنا على الفراق ما بين الضفتين القريبتين عن بعضهما.
ليس من السهل الان الوصول الى الجسر او العبور عليه، فلا زالت الموانع قائمة، ولكن بالامكان النظر اليه من بعيد، من قرب جامع ابي حنيفة النعمان او من طرف الكاظمية، النظر الى جسده المسجى وهو يشبه من بعيد شبة جزيرة مهجورة، ان اصغيت لها لا تسمع الا لغو الريح، ولا ترى الا الكآبة وهي تغمر جسده حتى صارت الوانه قاتمة او تراها كذلك، بل وترى ان الجفاء بين المدينتين المهمتين الشقيقتين سببه تعطل الجسر عن اداء دوره في (التعبير) عن شغله الحقيقي، انظر واردد حين اشاهد الحواجز الكونكريتية على منفذيه ما قاله الجواهري (هدم الله ما بنوا من حدود).
ارسل نظراتي اليه لتتدرج على اسفلته وتتسلق سياجه وتعاين ما تحت الجسر من روائع ثم احاول ان أسأل الناس عن خبر اقتراب موعد افتتاح الجسر، اشعر انهم يشعرون بالفرح، يقول نبيل جاسم : بالتأكيد شأكون سعيد عندما تزال الحواجز من حسر الائمة ويعبر الناس عليه من جديد ونختصر المسافات، يا اخي.. الارهاب الاعمى دمر كل شيء جميل في حياتنا وقطع جسور التواصل بين الاهل والاحبة، أيس اهل الاعظمية والكاظمية احبة ؟، وقالت نسرين : استبشرت خيرا بالخبر، حقيقة انه سار يعني ان الحياة ستعود الى الجسر الذي مات منذ ثلاث سنوات، بعد ان ازهقت ارواح اناس كثيرين قريبا منه، كنا نتمنى من زمان ان يتم فتح الجسر لكي تلتقي المدينتان وتعود المودة من جديد، انا سعيدة واتنمة ان يكون الافتتاح في وقت قريب جدا.
هذا ما سمعته من مواطنين يسكنان الاعظمية، اما في الطرف الاخر فقال : حسن كاظم : سيكون يوم اعادة افتتاح جسر الائمة عيدا، انا اراه هكذا كونه سيقول اننا انتصرنا على الارهاب وان العراقيين لا يمكن ان يفرق بينهم ارهاب لانهم اقوى واعظم منه، لا يمكنه ان يفرق بين الاعظمية والكاظمية مهما كبر شره وعظم بلاؤه، وبالطبع اكون سعيد حينما اجد ان الطريق بين المدينتين سالكا، وتعود السعادة لتغمرهما، اما اسعد محمد علي فقال : لابد من افتتاح الجسر الرائع الذي طال زمن اغلاقه احقاقا للحق وان كان سبب اغلاقه عظيم حين غرقت الناس في النهر بسبب الارهاب والفتنة البغيضة، ولكن الحمد لله الان اصبحت الامور افضل والمحبة اكبر والناس فهمت وعرفت ان العدو لا يريد للعراقيين ان يعيشوا بأمان وسلام.
يقال ان الجسر على مسافة قصيرة من افتتاحه، هنا يمكنني ان اعلن ان المدينتين اللتين تقطعت بينهما علامات الوصل ستبتهجان وتستردان الوعي الذي فقدتاه وان كان قليلا، ثمة ازدهار للمحبة يملأ الجسر ومنه ستعم مثل رائحة البخور الذي تحرق اعواده الامهات مساء كل يوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























