تحولات بعثية

كتبها الشورى ، في 28 يوليو 2008 الساعة: 12:05 م

ميسر الشمري     الحياة     - 28/07/08//

من الواضح أن البعثيين بعدما حكموا العراق وسورية لأكثر من ثلاثة عقود، أدركوا بعد سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي أولاً والطامع الإيراني ثانياً، أن عليهم أن يقوموا بمراجعة فكرية لكل ما قاموا به منذ أن تسلموا مقاليد الحكم في دمشق وبغداد في الستينات من القرن الماضي. المراجعة الفكرية التي يقوم بها البعثيون هذه الأيام أينما وجدوا في الوطن العربي، خصوصاً في العراق والأردن واليمن والسودان وموريتانيا وبدرجة أقل بعثيو سورية، هي في الواقع اعتراف من البعثيين أنفسهم بفشل التجربة البعثية في الحكم. بعض من البعثيين يحيل أسباب فشلهم في الحكم لعوامل خارجية، والقليل منهم يعترف بأن السبب هو: تراكم الأخطاء، وأياً يكن السبب بات واضحاً أن المراجعة البعثية هذه الأيام تهدف إلى العودة إلى الجذور التي وضعها الآباء المؤسسون، وهذا خطأ آخر يرتكبه البعثيون، لأن الأسس التي وضعت في خمسينات القرن الماضي على يد ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني، لم تعد صالحة للتداول في زمن العولمة.
نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام، مع اختلافي معه في كثير من أطروحاته بعدما أعلن انشقاقه على النظام في دمشق، لم يكن الوحيد الذي قرأ جيداً تجربة البعث في الحكم وفق المتغيرات الدولية المتاحة، لكنه الأبرز، خصوصاً أنه قرأ التجربة وقد تجاوز الـ 70 من عمره. أطروحات نائب الرئيس العراقي السابق وأمين سر حزب البعث الحالي في العراق عزت الدوري الآن، تختلف عنها قبل التاسع من نيسان (أبريل) 2003. واضح في أطروحات خدام والدوري (مع الفارق في التجربة بينهما)، أن هناك تمترساً بعثياً خلف الشعوب أولاً والدين ثانياً.
البعثيون في العراق وسورية جاؤوا من صفوف الجماهير، لكن بريق الحكم وعيش القصور والمشي على السجاد الأحمر، أبعدهم عن نبض العمال والفلاحين والطلاب الذين أوصلوهم إلى الحكم. الاشتراكية وحقوق الجماهير اللتان أوصلتا البعثيين إلى الحكم لم تصمدا أمام النفوس الأمارة بالسوء، وراحوا يقايضون العمال على مصانعهم والفلاحين على أراضيهم والطلاب على مستقبلهم، للحفاظ على الحكم، والحكم فقط. الذين تسنموا الحكم من البعثيين لم يكونوا أمناء على أفكار والدهم ميشيل. عفلق ذاته اكتفى من الغنيمة بالإياب واختار الإقامة في فرنسا.
البعثيون في العراق وسورية وصلوا إلى الحكم على جثث بعض رفاقهم وملأوا السجون بالبعض الآخر. بعض البعثيين ممن استلموا الحكم أصبحوا يستوردون القمح بعدما كانت بلدهم تصدره. تحول الفلاح إلى عاطل والعامل إلى متسول في زمن البعث. صدام الذي وصل إلى الحكم في العراق من خلال البعث، صنع لنفسه “بعثاً خاصاً” وراح يضع رؤاه منهاجاً لعمل “بعثه الخاص”. صدام كان حريصاً على أن يسجل اسمه في التاريخ، كان يرى في نفسه أكبر من عفلق وفؤاد الركابي وحازم جواد. عبدالخالق السامرائي لم يكن في نظره سوى متآمر. صدام خاض حرباً مبررة ضد إيران، لكن دخوله الكويت الذي لم يكن مبرراً كان للحفاظ على حكمه بعدما دخل الحرب مع إيران بربع مليون جندي وخرج منها بأكثر من مليون مقاتل. كذلك فعل البعثيون السوريون، إذ صدروا جيشهم إلى لبنان وتفرغوا للطامعين في الحكم من الداخل.
عفلق لم يضع المحافظة على الحكم أولوية في مبادئ “البعث” الذي أسسه في السابع من نيسان (أبريل) 1947. البعثيون الجدد وضعوا كرسي الرئاسة شعاراً لهم وحرموا تداول السلطة وقبل ذلك عطلوا “الوحدة والحرية والاشتراكية” وداسوا بدباباتهم على جسد “الأمة العربية الواحدة”. انه الوقت المناسب إذاً لإجراء مراجعة فكرية شاملة لكل ما خربه البعثيون القدامى.
المشكلة ان المراجعة التي يقوم بها البعثيون في الوطن العربي هذه الأيام ويشارك فيها بعثيون من العراق وسورية والسودان واليمن وموريتانيا، هي في الواقع ليست لتقويم تجربة الحزب في الحكم لأكثر من ثلاثة عقود، بل انها لإبقاء الحزب في القصور الرئاسية ليس إلا، ولهذا يتمترس البعثيون هذه الأيام خلف أحلام الشعوب أحياناً، ويتمسحون في عباءة الدين في كل الأحيان.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر