الموقف المعتدل من الصحابة طريق الى الوحدة الاسلامية
كتبها الشورى ، في 20 أكتوبر 2006 الساعة: 16:23 م
من كتاب السنة والشيعة وحدة الدين وخلاف السياسة والتاريخ
الباب الثاني: خلاف التاريخ والسياسة
الفصل الأول: التاريخ
المبحث الأول: الموقف من الصحابة:
شكلت قضية الموقف من الصحابة، والغلو أو التقصير بحقهم، مادة للجدل والخلاف بين الشيعة والسنة عبر التاريخ. رغم أنها مشكلة أعمق من النزاع بين الطائفتين، إذ أن الموقف من الصحابة مسألة منهجية قائمة بذاتها وتعود الى مسألة القيم والأخلاق والمثل العليا الواردة في القرآن الكريم ومدى تطابقها مع حياة الصحابة، أي الى مسألة النظرية والتطبيق، وقد تناولها المسلمون من السنة والشيعة ولا يزال المفكرون من كلتا الطائفتين يتناولونها بعيدا عن الخلاف الطائفي وانطلاقا من قراءة التاريخ بصورة محايدة . ومع أنها مسألة تاريخية عادية الا انها وصلت أحيانا الى مستوى العقيدة التي تفصل بين الناس فتُدخل هذا في الدين أو تخرجه منه لتلقيه في النار. في الوقت الذي لم تكن هذه القضية تحتل أهمية كبرى لدى الصحابة أنفسهم وفي عصرهم. فضلا عن أن تشكل جزءا من العقيدة الاسلامية.
احتل صحابة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) دور الوسيط الناقل للرسالة الاسلامية ولتراث الرسول الأعظم للأجيال اللاحقة عبر الزمان والمكان، وشكلوا المثال الأعلى للأمة الاسلامية التي ظلت تستلهم الكثير من الأمور والملامح الأخلاقية من أشخاصهم الكريمة وتجاربهم الغنية، باعتبارهم الجيل المثالي الأول الذي عاصر الرسالة وساهم في تأسيس الأمة الاسلامية. وقد استحق الصحابة لعظم جهادهم أن يمدحهم الله تعالى في كتابه الكريم في أكثر من موضع حيث قال : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران 110 وقال تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رض الله عنهم ورضوا عنه وأعد هم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدأ ذلك الفوز العظيم). التوبة 100 وقال أيضا: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) الفتح 18 وفى الآية التاسعة والعشرين من السورة نفسها قال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء عل الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرأ عظيما) الفتح 29.
ولكن مع الأسف الشديد، ونظرا للفتنة الكبرى التي حدثت في أيامهم، فقد أصبح الصحابة الكرام مجالا للجدل والتشكيك والغلو والتجريح، وظهر في التاريخ من يهاجمهم بقسوة ومن يدافع عنهم بتطرف، حتى أصبح الحديث عنهم أو اتخاذ الموقف منهم سلباً أو إيجابا، بحد ذاته، موضوعا عقديا مهما يوازي أركان الدين ، ويلعب دورا في تقسيم المجتمع وتشكيل هوية الطوائف الثقافية والدينية. ولذا فان من المهم جدا بحث موضوع الموقف من الصحابة الكرام لدى السنة والشيعة بكل صراحة وتفصيل ووضع النقاط على الحروف، تمهيدا للتخلص من هذا الكابوس الثقيل، والتخلص من رواسب الماضي، خاصة بعد أن أصبح موضوع الخلاف بين "السنة" و"الشيعة" نفسه موضوعا تاريخيا لا معنى معاصرَ له.
لقد كان الخلاف حول الصحابة بين المسلمين، ثمرة مرَّة من ثمار الفتنة الكبرى التي عصفت بجيل الصحابة أنفسهم، وقد حاول الصحابة أنفسهم تجاوز الفتنة والصلح فيما بينهم، ولكن ذيول الفتنة استمرت فيما بعدهم.. واستمرت.. واستمرت الى اليوم، ونرجو من الله العلي القدير ان يهب المسلمين الحكمة الكافية للملمة ما تبقى من ذيول تلك الفتنة، والتخلص منها، ورأب الصدع فيما بينهم.
ولكي نفهم مشكلة الموقف من الصحابة بشكل جيد لا بد من دراسة ظروف نشوئها التاريخية بدقة، وكيف تضخمت لتصبح موضوعا عقديا؟ ومن صنع ذلك؟ ولماذا؟
لم يكن الصحابة الكرام ملائكة معصومين ولا أشرارا، والعياذ بالله، ولكنهم كانوا فتية آمنوا بالله ورسوله ونصروا دينه وتحملوا في سبيل ذلك العذاب، وكانوا في نفس الوقت بشرا لهم مصالحهم وأهواؤهم واجتهاداتهم الخاصة وأخطاؤهم، وكان فيهم المؤمنون والمنافقون، وربما كان المؤمنون منهم أيضا يتفاوتون في الفضل ودرجات الإيمان، التي لا يعلمها الا الله، وقد ترسخت مكانتهم بسبب إيمانهم وتضحياتهم وعملهم الصالحات وتجنبهم المعاصي والذنوب. ورغم وضوح هذه الحقيقة القرآنية الا أن هناك من اعتقد أويعتقد أن الصحابة احتلوا مكانتهم العليا بسبب رؤيتهم للرسول الأكرم ومصاحبتهم له ولو لساعة، مهما اقترفوا بعد ذلك من الذنوب والمعاصي، وانهم مغفور لهم بالتأكيد. وبناء على ذلك فقد حرموا توجيه أي نقد لعموم الصحابة أو اتخاذ أي موقف سلبي من أي واحد منهم، واعتبار ذلك كفرا وزندقة وإلحادا.
واذا كان السب مرفوضا لأي انسان يختلف معنا في الرأي، فان من الطبيعي ان يكون سب أو لعن أي صحابي جليل، مهما كان، مرفوضا بشدة، ولكن ذلك لا يمنع من قراءة التاريخ بأمانة وتحليل الأحداث التي وقعت بين الصحابة وأخذ العبرة منها، وتعظيم الانجازات الرائعة والبطولات الباهرة التي قام بها الصحابة الكرام، وتجنب الأخطاء التي وقع فيها البعض منهم، فنحن مأمورون باتباع الدين الاسلامي والعمل الصالح والاقتداء بسنة سيد المرسلين ومن يتبعه بإحسان الى يوم الدين.
ان المشكلة في مسألة الصحابة تنبع من المتطرفين من السنة والشيعة، وقيام بعض هؤلاء بالتهجم على خيار الصحابة، وقيام بعض أولئك بالدفاع حتى عن السيئين منهم. هذا اذا كانوا يعترفون بوجود سيئين أو منافقين فيهم. ولو كان الطرفان يتفقان على وجود قاسم مشترك يميز بين الصالحين والطالحين، لما كانت هنالك حاجة للحديث عن الموضوع، ولما كانت هنالك أية إثارة أو توتر حول هذا الموضوع.
ومن أجل أن نضع النقاط على الحروف، لا بد ان نستعرض أولاً النظرية السنية حول الصحابة، ثم نستعرض النظرية الشيعية، ونبين نقاط الالتقاء والاختلاف بينهما، أو نقاط الاعتدال والتطرف لدى الفريقين، أملا في الوصول الى نظرة مشتركة ومعتدلة توحد بين المسلمين وتزيل ما بينهم من خلافات وأحقاد.
1 - النظرية الاسلامية الأولى
ولكي نعرف المقياس الاسلامي حول منبع العظمة والجدارة للصحابة وغيرهم، يجدر بنا العودة الى القرآن الكريم الذي نراه يربط الدرجة العليا لأي انسان بالعمل الصالح حتى لو كان من أقرب المقربين للرسول الأعظم، او النبي نفسه، حيث يقول:" وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ". الزمر 65 ، و"وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً *إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً". الاسراء 74 – 75، ويقول الله عز وجل متحدثا عن نبيه الكريم:"وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عنْهُ حَاجِزِينَ". الحاقة 44 - 47 ويأمر الله تعالى نبيه الكريم:" قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم". وقد وردت هذه الآية مرتين في سورة الأنعام آية 15 والزمر آية 13، وتأكيدا لهذا المفهوم يقول النبي الأكرم (ص) نفسه:"إنه لا ينجي إلا عمل مع رحمة. ولو عصيت لهويت".
إذن فان قيمة أي انسان في المقياس الاسلامي، حتى بالنسبة للأنبياء، تأتي من الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح، ولا تأتي من الصحبة أو القرب من الأنبياء أو الفراعنة، فقد قال تعالى:"ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، وقيل ادخلا النار مع الداخلين، وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابنِ لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين". التحريم 10 11
وبناء على هذا الأساس يخاطب الله تعالى نساء النبي وهن أقرب الناس اليه:" يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لها رزقا كريما" الأحزاب 3- 31
أي إن منزلة أهل البيت، وخاصة نساء النبي، فضلا عن الصحابة، ليست نابعة من قربهم أو صحبتهم للنبي، وانما من طاعة الله والعمل الصالح، بل ان معصية أهل البيت لله تعالى تستوجب مضاعفة العذاب، لقرب أهل البيت من النبي وسقوط العذر عنهم. وكذلك فان منزلة الصحابة تأتي من أعمالهم الصالحة وطاعة الله، وربما يمكن القول أيضا:ان معصيتهم لله تستوجب مضاعفة العذاب لهم. ولا توجد حصانة خاصة لهم، أو هالة مقدسة تمنعهم من الخطأ أو مواجهة العذاب. وبهذا يتضح أن ما يوجد لدى "أهل السنة" من أحاديث أو تأويلات واجتهادات هي ضعيفة ومناقضة للقرآن الكريم، وتأخذ جانب العموم دون أن تلحظ الآيات الأخرى المخصصة.
ميزان العمل الصالح
يؤكد الله تعالى على ميزان العمل الصالح الى جانب الإيمان به وباليوم الآخر، في أكثر من خمسين آية في القرآن الكريم، مثل:
1- ان الذين امنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .البقرة 277
2- فاما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله واما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا اليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا . النساء 173
3- وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون .النور 55
وهي آيات عامة ومطلقة تشمل الصحابة وغيرهم، فكيف يلغي الله تعالى هذا الميزان المهم في جيل الصحابة لمجرد انهم شاهدوا الرسول او استمعوا اليه دون ان يعملوا بالاسلام أو يحترموا تعاليم الله؟ بل ان هنالك آيات تصرح باستحالة مساواة الله تعالى للمؤمنين العاملين صالحا بالمفسدين والفجار والمسيئين، مثل هذه الآيات:
4 - أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار. ص، 28
5 - وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون. غافر 58
6 - ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما. النساء 93
وفي هذه الآية الأخيرة يؤكد الله عز وجل على معاقبة القاتل المتعمد ومجازاته بجهنم وتخليده فيها وغضبه عليه ولعنه وإعداد العذاب له، دون أن يستثني الصحابة من ذلك، لأن قانون الله للجميع، وإذا كان للصحابة من شرف فهو شرف الإيمان والطاعة والتضحية والتقوى والنصرة.
وهذا يقودنا الى حديث الإيمان والمؤمنين والنفاق والمنافقين في جيل الصحابة، فهل كل من رأى النبي آمن به بصورة سحرية؟ وهل كل من آمن به علنا آمن به في الواقع؟ وهل كل من آمن به في الواقع ظل محافظا على إيمانه الى آخر يوم من حياته؟ وهل كل من حافظ على إيمانه ظل محافظا على مستوى إيمانه عاليا الى آخر لحظة من حياته؟
لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ان من هاجر الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله، ومن هاجر من أجل امرأة يصيبها أو دنيا فهجرته الى ما هاجر اليه. وقال أيضا:"ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأشد ضررا على دين الرجل المسلم من حب المال وحب الجاه".
وهناك شهيد معروف بشهيد الحمار أو شهيد أم عمرو، مما يعني تعرض الصحابة الى امتحان الدنيا وخاصة الزعامة، التي تبعدهم عن التقوى والاخلاص والعمل الصالح، وقد تقلب إيمانهم الى نفاق وتؤدي بهم الى الردة.
وقد كان بعض أصحاب رسول الله المعنيين بأمر المنافقين، كحذيفة بن اليمان رضي الله عنه، يلاحظون تزايد النفاق بعد وفاة رسول الله، نتيجة الإقبال على الدنيا، ولذا كان حذيفة يقول :"إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، كانوا يومئذٍ يسِرون، واليوم يجهرون". ويقول أيضا: "إنما كان النفاق على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان". ويخاطب المسلمين محذراً:"إنكم اليوم معشر العرب لتأتون أموراً إنها لفي عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) النفاق على وجهه". [1]
ومن هنا يحذر الله تعالى أصحاب النبي ، من الوقوع في الفتنة والانقلاب والردة، ويتوعد المنقلبين منهم بالعذاب والخسران، حيث يقول عز وجل:"مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ". آل عمران 179، ويقول مخاطبا الجيل الأول من المسلمين، في أعقاب معركة بدر:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". الأنفال 24[2] ويقول تعالى محذرا الصحابة:"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ".آل عمران 144 ويحذرهم أيضا:" وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".آل عمران 105 - 107
ويمكننا ملاحظة هذا المفهوم النسبي في فضل الصحابة، المشروط بالعمل الصالح، في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم".محمد 33 وفي قوله تعالى:".. ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والاخرة وأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون". البقرة 217 وقد حذر رسول الله (ص) المسلمين يوم العقبة من التفرقة والاقتتال الداخلي والكفر، فقال:" يا أيها الناس ألا إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ فقلنا: نعم. فقال: اللهم أشهد. ثم قال: ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".[3]
وقد ذكر البخاري عدة روايات عن الرسول الأكرم (ص) في كتاب الفتن، باب ما جاء في قول الله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة).
حديث رقم 7048 – حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا بشر بن السري: حدثنا نافع بن عمر عن ابي مليكة قال : قالت أسماء عن النبي (ص) قال:" أنا على حوضي أنتظر من يرِد علي، فيؤخذ بناس من دوني، فأقول: أمتي، فيقول: لا تدري مشوا على القهقرى".
حديث رقم 7049 – حدثنا موسى بن اسماعيل: حدثنا أبو عوانة عن مغيرة، عن أبي وائل، قال قال عبد الله: قال النبي (ص) :"أنا فرطكم على الحوض، فليرفعن الي رجال منكم حتى إذا هويت لأناولهم اختلجوا دوني، قأقول: أي رب، أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك". وفي أحاديث أخرى (رقم 7050 و 7051):"ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يُحال بيني وبينهم". فأقول: "انهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي".
إذن فان الله تعالى لم يعط الصحابة شيكاً على بياض، ولم يعدهم الجنة لمجرد صحبتهم للرسول بغض النظر عن أعمالهم، ولم يستبعد عنهم النفاق والشرك والردة، وانما طالبهم بالثبات على الإيمان والطاعة والإخلاص.
وبناء على هذا المقياس كان الصحابة أنفسهم يعظم بعضهم بعضا ويقدرون جهاد المجاهدين وطاعة المطيعين، في حين أنهم كانوا ينتقدون بعضهم بعضا لو صدرت من أحدهم خطيئة أو ظنوا انه اقترف معصية، حتى لو كان من أصحاب بدر وأحد، ومن السابقين الأولين أو المهاجرين والأنصار، فقد أخرج البخاري: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي" فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميّة، فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير، فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت.[4]
ففي هذه الرواية نجد صحابياً يؤذي النبي! وصحابيا يتهم آخر بدرياً، وفي حضرة الرسول، بأنه منافق. وذلك لأن مفهوم الإطلاق لم يكن معروفا لدى الصحابة وانما كانت نظرة بعضهم الى بعضهم نسبية، تحتمل ارتفاع الإيمان او انخفاضه لدى الخطأ أو الانحراف. وهذا ما يفسر اختلاف الصحابة رضي الله عنهم يوم السقيفة، وغضب عمر من سعد بن عبادة الذي رفض بيعة أبي بكر، وقوله :"قتله الله".[5] وكذلك قول عمر لخالد بن الوليد بعد قتله مالك بن نويرة ودخوله بزوجته:"يا عدو الله". واذا عدنا الى تفاصيل الشورى التي عهد بها عمر الى أفضل ستة من الصحابة، وتأكيده على ضرورة انتخاب واحد منهم، حتى ثلاثة أيام، وقتلهم اذا لم ينتخبوا أحدا أو لم يذعن له الآخرون، فاننا يمكن ان نستنتج قانون النسبية في ثقافة عمر، وعدم وجود أحد من الصحابة فوق الخطأ والتقصير، أو استحقاق العقاب ومنه القتل.
الفتنة الكبرى
واذا عدنا الى قراءة ملف الفتنة الكبرى، لوجدنا فيه مواقف عديدة من مختلف الأطراف، ومن الصحابة والتابعين، تدل على فهمهم النسبي ، لا المطلق، لفضل الصحابة، واحتمال افتقاد بعضهم لدرجة الإيمان العليا، والاتصاف بالنفاق والردة والكفر. ولا نهدف من فتح ملف التاريخ نكأ جراح الماضي بقدر ما نريد أخذ العبرة منه، والتأكد من حقيقة الفهم النسبي لفضل الصحابة، أو عدم تقديسهم جميعا والقول بعدالتهم أو عصمتهم.[6]
يذكر التاريخ أن المسلمين بدءوا ينتقدون سياسة عثمان في السنوات الست الأخيرة من عهده، لأمور أخذوها عليه، ولا نريد التحدث عنها الآن، وكان من أبرز منتقدي عثمان أبو ذر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، الذين كان جزاؤهم النفي والضرب والتعذيب، الى درجة انهم أخذوا يتهمون عثمان بالنفاق والكفر وتبديل الدين.[7] وقد روي أن الزبير كان يحرض على قتل عثمان قائلا:" اقتلوه فقد بدل دينكم".[8] كما ينقل عن السيدة عائشة قولها:"اقتلوا نعثلا فقد كفر".[9]
قال الباقلاني: "وقد روي أنه (أي عمار) كان يقول: عثمان كافر. وكان يقول بعد قتله: قتلنا عثمان ويوم قتلناه كافراً…". [10]
وفي المقابل كان بعض أنصار عثمان كأبي الغادية يتحرق شوقا لقتل عمار، حتى تمكن منه في حرب صفين فقتله، رغم قول النبي له:"ويح عمار تقتله الفئة الباغية". ولذلك يقول كلثوم:"فلم أرَ رجلاً أبين ضلالة عندي منه، إنه سمع من النبي (صلى الله عليه وسلم) ما سمع ثم قتل عماراً… وأخبر عمرو بن العاص فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: إن قاتله وسالبه في النار".[11] وهذه الرواية تتضمن تصريحا بالوعد بالنار لمن يقتل عمارا حتى لو كان صحابيا، فكيف نأتي بعد ذلك ونقول ان جميع الصحابة عدول؟ وكلهم في الجنة؟
وعندما خالف عثمان شروط البيعة والعهد الذي أخذه عليه عبد الرحمن بن عوف بعدم تولية أقاربه من بني أمية على رقاب الناس، انسجاما مع سيرة الشيخين، قال عبد الرحمن لعلي بن أبي طالب:"إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، انه قد خالف ما أعطاني" وحلف أن لا يكلم عثمان طيلة حياته.[12] وعاده عثمان في مرضه فلم يكلمه، ومات وهو مهاجر له، وأوصى أن لا يصلي عليه.[13] وفي مقابل ذلك، كان عثمان يتهم عبد الرحمن بن عوف بالنفاق، ويعده منافقاً . حتى روي عن عبد الرحمن أنه قال:"ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان: يا منافق".[14]
وربما كان أشد بيان صدر عن صحابة رسول الله في المدينة ضد عثمان، هي رسالتهم التالية الى إخوانهم في الآفاق:" إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عز وجل تطلبون دين محمد، فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك، فهلموا فأقيموا دين محمد" فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه.[15]
ورغم كل التأويلات التي يقوم بها البعض في تفسير اقتتال المهاجرين الأولين (طلحة والزبير وعائشة وعلي) وأتباعهم في حرب الجمل، والقاء اللوم على فئة منافقة مدسوسة بين الطرفين، فان وقوع تلك الحرب الطاحنة التي ذهب ضحيتها الآلاف من المسلمين، دليل على نظرة الصحابة النسبية لأنفسهم، وعدم وجود مفهوم العدالة المطلقة أو العصمة، الذي نشأ فيما بعد في القرون التالية، لدى فريق من أهل السنة.
أما في صفين فان الصورة بدت أكثر وضوحا، حيث كان الامام علي يلعن معاوية ومجموعة من أعوانه في صلاته، ويقنت عليهم قائلا:"اللهم العن معاوية وعمروا وأبا الأعور السلمي وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد". فيما كان معاوية يلعن عليا والحسن والحسين وابن عباس ومالك الأشتر.[16] وظل معاوية يلعن الامام علي حتى بعد صلحه مع الحسن، حيث أمر ولاته بسب الامام على المنابر، وهو ما أثار ردة فعل من قبل بعض أصحاب الامام مثل الصحابي الجليل حجر بن عدي الذي احتج على المغيرة بن شعبة في الكوفة لسبه الامام علي، فاعتقله المغيرة وأرسله مع مجموعة من أصحابه الى معاوية الذي أمر بهم فضربت أعناقهم صبرا في مرج عذراء في الشام. وقد استُعمِل على المدينة رجل من آل مروان، فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشتم عليا، فأبى سهل، فقال له: أمَّا إذ أبيتَ، فقل: لعن الله أبا تراب. وقد استمر لعن الامام علي على منابر بني أمية حوالي ستين عاما الى أن جاء عمر بن عبد العزيز فأصدر أمرا بوقف ذلك.[17]
ويسجل التاريخ مواقف وأقوالا لكثير من التابعين، وتابعي التابعين، ومنهم من يحظى باحترام أئمة أهل السنة [18]، فضلا عن بعض الخلفاء العباسيين الأوائل، الذين كانوا ينتقدون هذا الصحابي أو ذاك، مما يدل على عدم وجود إجماع على تقديس الصحابة والاعتقاد بعدالتهم جميعا، في العصور الأولى ، قبل أن ينشأ مفهوم الاطلاق لدى بعض المحدثين في القرن الثاني الهجري، ونشوء النظرية السنية المطلقة حول الصحابة.[19]
إذ ينقل عن الحسن البصري قوله:"أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذو الفضيلة. واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير. وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله (ص): الولد للفراش، وللعاهر الحجر. وقتله حجراً. ويلاً له من حجر.مرتين".[20]
وبخصوص معاوية لم يكن كثير من الصحابة وأجلاء التابعين ينظرون اليه كصحابي مؤمن أو خليفة عادل، ولذلك فعندما توفي، اجتمع من تبقى من شيعة الامام علي في الكوفة وأرسلوا الى الامام الحسين رسالة يستدعونه اليهم، وقد جاء فيها:" للحسين بن علي، من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة : سلام عليك فانا نحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو .. أما بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها واستبقى أشرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدا له كما بعدت ثمود . انه ليس علينا إمام ، فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق ". [21]
وهناك أحاديث يرويها أهل السنة تؤكد دخول بعض الصحابة في النار، مما ينقض نظرية عدالة جميع الصحابة التي تبلورت في القرن الثاني أو الثالث الهجري.
قال يعقوب بن سفيان ثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي ثنا شعبة عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي هريرة أن رسول الله قال لعشرة من اصحابه:" آخركم موتا في النار" فيهم سمرة بن جندب قال أبو نضرة فكان سمرة آخرهم موتا. قال البيهقي: رواته ثقات إلا أن أبا نضرة العبدي لم يثبت له من أبي هريرة سماع والله أعلم. ثم روى من طريق إسماعيل بن حكيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس بن حكيم قال كنت أمر بالمدينة فألقى أبا هريرة فلا يبدأ بشيء حتى يسألني عن سمرة فلو أخبرته بحياته وصحته فرح وقال: إنا كنا عشرة في بيت، وإن رسول الله قام علينا ونظر في وجوهنا وأخذ بعضادتي الباب وقال:" آخركم موتا في النار". فقد مات منا ثمانية ولم يبق غيري وغيره فليس شيء أحب إلي من أن أكون قد ذقت الموت. وله شاهد من وجه آخر وقال يعقوب ابن سفيان ثنا حجاج بن منهال ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أوس بن خالد قال كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة فقلت لأبي محذورة مالك إذا قدمت عليك تسألني عن سمرة وإذا قدمت على سمرة سألني عنك؟ فقال إني كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت فجاء النبي فقال:" آخركم موتا في النار" قال فمات أبو هريرة ثم مات أبو محذورة ثم مات سمرة.[22]
الإعلام الأموي
ومن هنا ، ونظرا لعدم وجود إجماع على عدالة جميع الصحابة، في صدر الإسلام، ووجود النظرة النسبية المحتملة للردة والنفاق والضلال، وتوقف مكانة الصحابي على العمل الصالح، بما يتفق مع القرآن الكريم وأحاديث نبوية متواترة وثابتة، فان علامات استفهام كثيرة ترتسم على بعض الأحاديث أو أخبار الآحاد، التي تشير الى عدالة جميع الصحابة، وتنهى عن سبهم. وتعطي فضلا خاصا لكل من رأى النبي ولو ساعة أو سمع منه ولو كلمة.[23] ويثور الشك حول تلك الروايات التي شكلت أساس النظرية السنية المتطرفة حول الصحابة، بأنها كانت من اختلاق الإعلام الأموي ، وخاصة أيام حكم معاوية، "الطليق" الذي حارب الامام علي والمهاجرين والأنصار، وانتزع السلطة منه، وحاول إدخال نفسه في صفوف "الصحابة" حتى يفرض نفسه على المسلمين خليفة بلا منازع، ويفعل ما يشاء.
ويبدو ان المقصود من تلك "الأحاديث الناهية عن سب الصحابة" هو منع انتقاد معاوية أكثر من النهي عن سب خيار الصحابة، والا فانها لا تذكر عند قيام معاوية والأمويين بسب الامام علي وأهل بيته وشيعته.[24]
المعتزلة ينقدون الصحابة
وينقل ابن أبي الحديد، في (شرح نهج البلاغة) عن بعض الزيدية المعتزلة، قولهم:" انا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضا، بل ويلعن بعضهم بعضا، ولو كانت الصحابة عند نفسها بالمنزلة التي لا يصح فيها نقد ولا لعن لعلمت ذلك من حال نفسها، لأنهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا. وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم وفي جانبهم لم يروا أن يمسكوا عن علي. وهذا معاوية وعمرو بن العاص لم يقصروا دون ضربه وضرب أصحابه بالسيف. وكالذي روي عن عمر من أنه طعن في رواية أبي هريرة وشتم خالد بن الوليد وحكم بفسقه، وخون عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما الى سرقة مال الفيء واقتطاعه. وقل أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده. الى كثير من أمثال ذلك مما رواه التاريخ… وكان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك ويقولون في العصاة منهم هذا القول،وانما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك. والصحابة قوم من الناس، لهم ما للناس وعليهم ما عليهم، من أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غير هم كبير فضل الا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم. لأنهم شاهدوا الأعلام والمعجزات فمعاصينا أخف لأننا أعذر".
ان الصحابة أنفسهم لم يكونوا يكفرون من يكفرهم، وهذا هو الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) يعلن موقفه من الخوارج الذين كانوا يكفرونه ويطالبونه بالتوبة عن التحكيم، ويقول:" ان لهم علينا ثلاثة حقوق: أن لانمنعهم مساجد الله ولا نقطع عنهم الفيء ولا نبدأهم بقتال" واذا كان قد اضطر لمحاربتهم بعد خروجهم عليه وقتلهم بعض أصحابه، فانه قد نهى عن قتالهم في المستقبل، وقال:" لا تقاتلوا الخوارج بعدي.. فانه ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه".
وكان الامام علي قد سئل من قبل عن أهل الجمل الذين جاءوا لحربه: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وعندما سمع بعض أصحابه في صفين يسب أهل الشام ، قال:"إني أكره لكم أن تكونوا سبابين".[25] وذلك انسجاما مع قول الله تعالى:" ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ". الأنعام 108
[1] - مسند أحمد ج:5 ص:391 حديث حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، واللفظ له. مجمع الزوائد ج:10 ص:64 كتاب المناقب: باب ما جاء في الكوفة.
[2] - وقد ورد عن عون بن قتادة قال:حدثني الزبير بن العوام. قال: لقد حذرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتنة لم نر أنا نخلق لها. ثم قرأ: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً" فقرأناها زماناً، فإذا نحن المعنيون بها. قال: فحيث كان هذا فلِمَ خرجتم؟ قال: ويحك، نحن نعلم، ولكن لا نصبر.
[3] - ابن سعد، الطبقات الكبرى ج:3 ص:260 ـ 261 (في ذكر ومن حلفاء بني مخزوم: عمار بن ياسر).
[4] - البخاري، ج 3 ص 156 و ج 6 /8
[5] - أخرج البخاري قصة سعد وفيها:فأخذ عمر بيده [بيد أبي بكر] فبايعه وبايعه الناس، فقال قائل قتلتم سعدا، فقال عمر: قتله الله، وفي رواية لابن حبان: ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل من الأنصار: قتلتم سعدا، قال عمر فقلت وأنا مغضب: قتل الله سعدا فإنه صاحب فتنة وشر.
[6] - ذكر الطبري: كان أهل مصر الذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة ألوية لها رءوس أربعة، مع كلّ رجل منهم لواء؛ وكان جماع أمرهم جيمعاً إلى عرمو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ - وكان من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم - وإلى عبد الرحمن بن عديس التُّجيبيّ؛ فكان فيما كتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمّا بعد، فاعلم أنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم؛ فالله الله! ثم الله الله! فإنك على دنيا فاستتمَّ إليها معها آخرة، ولا تلبس نصيبك من الآخرة؛ فلا تسوغ لك الدنيا. واعلم أنّا والله لله نغضب، وفي الله نرضى؛ وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرّحة، أو ضلالة مجلّحة مبلجة؛ فهذه مقالتنا لك، وقضيّتنا إليك، والله عذيرنا منك. والسلام.
وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجّون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ الله.
قالوا: فإنا لا نعجّل عليك؛ إن كنا قد اتّهمناك، اعزل عنّا عمّالك الفسّاق، واستعمل علينا من لا يتّهم على دمائنا وأموالنا، واردد عليها مظالمنا. قال عثمان: ما أراني إذاً في شيء إن كنت أستعمل من هويتم، وأعزل من كرهتم، الأمر إذاً أمركم! قالوا: والله لتفعلنّ أو لتعزلنّ أو لتقتلنّ، فانظر لنفسك أودع. فأبى عليهم وقال: لم أكن لأخلع سربالاً سربلنيه الله، فحصروه أربعين ليلة، وطلحة يصلِّي بالناس.
قال محمد: وحدّثني إبراهيم بن سالم، عن أبيه، عن بسر بن سعيد، قال: وحدّثني عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، قال مرّ طلحة بن عبيد الله؛ فوقف فقال: أين ابن عديس؟ فقيل: ها هو ذا، قال: فجاءه ابن عديس، فناجاه بشيء، ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل؛ ولا يخرج من عنده. قال: فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله. ثم قال عثمان: اللهمّ اكفني طلحة بن عبيد الله، فإنه حمل عليّ هؤلاء وألّبهم؛ والله إني لأرجو أن يكون منها صفراً، وأن يسفك دمه، إنه انتهك مني ما لا يحلّ له .
تاريخ الطبري ، الجزء الرابع، السنة الخامسة والثلاثين، ذكر من سار الى ذي خسب
[7] - مجمع الزوائد ج:9 ص:97، 98 باب: فيما كان من أمره (عثمان) ووفاته (رضي الله عنه). المعجم الكبير ج:1 ص:81 في ذكر (سن عثمان ووفاته).
[8] - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج:9 ص:35 ـ 36 في شرح كلام للإمام (عليه السلام) في شأن طلحة والزبير: (والله ما أنكروا عليَّ منكراً…).
[9] - الجامع للأزدي ج:11 ص:355 ـ 356 باب الفتن.
[10] - الباقلاني، التمهيد ص: 220.
[11] - ابن سعد، الطبقات الكبرى ج:3 ص:260 ـ 261 (في ذكر ومن حلفاء بني مخزوم: عمار بن ياسر).
[12] - أنساب الأشراف ج:5 ص: 57 (في قول عبد الرحمن بن عوف في عثمان(رضي الله عنه)). تاريخ أبي الفداء ج:1 ص:166 (في ذكر مقتل عمر(رضي الله عنه)) .العقد الفريد ج:4 كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم ص: 280 في (أمر الشورى في خلافة عثمان بن عفان)، و ص:305 (في ما نقم الناس على عثمان).
[13] - تاريخ أبي الفداء ج:1 ص:166 في (ذكر مقتل عمر (رضي الله عنه)).) شرح نهج البلاغة ج:1 ص:196. العقد الفريد ج:4 كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم ص: 280 (في أمر الشورى في خلافة عثمان بن عفان)، و ص:305 (في ما نقم الناس على عثمان). المعارف لابن قتيبة ص:550 في (المتهاجرون). و أنساب الأشراف ج:5 ص:57 في (قول عبد الرحمن بن عوف في عثمان (رضي الله عنه)).
[14] - الصواعق المحرقة ص:112 تتمة الفصل الثالث من الباب السابع: في (نقم الخوارج عليه (رضي الله عنه)).السيرة الحلبية ج:2 ص:273 باب الهجرة إلى المدينة. و شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد، ج:20 ص:25.
[15] - تاريخ الطبري ج:2 ص:662 في ذكر (الخبر عن قتله (عثمان) وكيف قتل).
[16] - تاريخ الطبري ج:3 ص:113 في ذكر (اجتماع الحكمين بدومة الجندل).
[17] - يقول الشيخ محمد بن المختار الشنقيطي في كتابه: (الخلافات السياسية بين الصحابة):"توجد مع الأسف أحاديث صحيحة تفيد بأن معاوية وأمراءه كانوا يسبون ويلعنون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على المنابر، ويأمرون الناس بذلك، ومنها: " عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب [عليا] ، فقال [سعد] : أمَّا ما ذكرتُ ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي وخلفَه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال [سعد]: فتطاولنا لها فقال: ادع لي عليا فأتاه وبه رمد فبصق في عينه فدفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولما أنزلت هذه الآية "قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم" الآية .. دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي… « (159) زادت بعض الروايات: »فلا والله ما ذكره معاوية بحرف حتى خرج من المدينة« (160) أو :» فلا والله ما ذكره ذلك الرجل بحرف حتى خرج من المدينة« (161) »وعند أبي يعلى عن سعد من وجه آخر لا بأس به قال: لو وضع المنشار على مفرقي على أن أسب عليا ما سببته أبدا" (162) و"عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: استُعمِل على المدينة رجل من آل مروان، قال: فدعا سهل بن سعد، فأمره أن يشتم عليا، قال: فأبى سهل، فقال له: أمَّا إذ أبيتَ، فقل: لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها« (163) و"عن عمير بن إسحاق قال كان مروان أميرا علينا ست سنين فكان يسب عليا كل جمعة ثم عزل ثم استعمل سعيد بن العاص سنتين فكان لا يسبه ثم أعيد مروان فكان يسبه« (164) وعن عبدالرحمن بن الأخنس أن المغيرة بن شعبة خطب، فنال من علي، قال: فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، ثم قال: إن شئتم أخبرتكم بالعاشر، ثم ذكر نفسه. ورواه الإمام أحمد أيضا عن وكيع عن شعبة" (165) و"عن عبدالله بن السهو قال: لما بويع لمعاوية بالكوفة أقام المغيرة بن شعبة خطباء يلعنون عليا رضي الله عنه، قال: فأخذ بيدي سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: ألا ترى إلى هذا الرجل الظالم يأمر بلعن رجل من أهل الجنة أشهد على تسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم أبال.." (166).
[18] - كيحيى بن عبد الحميد وعبد الرزاق الصنعاني ويونس بن خباب الأسدي، وأبي الحسن أحمد بن علي الغزنوي، وأبي اسرائيل الملائي، وأزهر الحراني وأسد بن وداعة، وتليد بن سليمان المحاربي الكوفي، والحكم بن ظهير الفزاري ابن أبي ليلى الكوفي، وربيعة بن يزيد السلمي، وجعفر بن سليمان. وكان مؤسس المعتزلة واصل بن عطاء يقول ان أحد المتحاربين من الصحابة فاسق من غير تحديد له، ولهذا كان يطعن في عدالتهم ولا يقبل شهادة أحد منهم، بينما كان النظام يعتبر أبا هريرة من أكذب الناس.
[19] - عندما انتصر جيش الدعوة العباسية، ودخل الكوفة، وبويع أبو العباس السفاح، خطب داود بن علي بن عبد الله بن العباس ـ وهو على المنبر أسفل من أبي العباس السفاح بثلاث درجات ـ فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي، ثم قال:"أيها الناس إنه والله ما كان بينكم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خليفة إلا علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين هذا الذي خلفي". تاريخ الطبري ج:4 ص:350 في (ذكر بقية الخبر عما كان من الأحداث في سنة اثنين وثلاثين ومائة: تمام الخبر عن سبب البيعة لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي…).
[20] - تاريخ الطبري ج:3 ص:232 في (تسمية من نجا منهم (أصحاب حجر)). قال يعقوب بن سفيان ثنا عمرو بن عاصم ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن مروان بن الحكم قال دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه وفعلت الذي فعلت أما خشيت أن أخبأ لك رجلا فيقتلك قال لا إني في بيت أمان. كتاب البداية والنهاية، الجزء 6 صفحة 225
[21] - المفيد، الارشاد، ص 204
[22] - ابن كثير،كتاب البداية والنهاية، الجزء 6 صفحة 226.
[23] - وفي هذا المجال ينقل عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يقول: "لا تسبُّوا أصحاب محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَلَمقام أحدهم ساعةً خيرٌ من عمل أحدكم عُمُرَه".رواه ابن ماجه.
[24] - اللعن يعني الإبعاد والطرد على وجه السخط، وعندما يكون من الله عز وجل فهو يعني العقوبة في الآخرة والانقطاع عن قبول الرحمة والتوفيق في الدنيا، واللاعن عندما يلعن فهو يدعو الله عز وجل أن يطرد الملعون من رحمته (المفردات في ألفاظ القرآن للراغب الاصفهاني ص741)، ويتحقق اللعن بقول: لعنه الله، ولعنة الله عليه، أما السب والشتم فهما بمعنى واحد. (لسان العرب ج6 ص137) وقيل بأن السب أشد من الشتم، فالشتم هو تقبيح أمر المشتوم بالقول، والسب هو الإطناب في الشتم والإطالة فيه (الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص38)، ومن هنا قال الراغب الأصفهاني: "والسب: الشتم الوجيع". (المفردات ص391)
[25] - نهج البلاغة، 206 من كلام له عليه السلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























