عندما يبتعد الفقهاء عن لغة العلم
كتبها الشورى ، في 21 أكتوبر 2006 الساعة: 11:03 ص
بقلم أحمد الكاتب
هل هناك تناقض بين العلم والدين؟
طبعاً.. لا، لأن الدين وحي الله، والعلم صورة عن الطبيعة التي خلقها الله، وإذا ما وجدنا تناقضاً ظاهرياً بين الدين والعلم في مسألة معينة، فإما أن يكون ناتجاً عن خطأ في الدين أو خطأ في العلم، وإلا يستحيل أن يكذب أحدهما الآخر ويصحان معاً.
وفي الحقيقة اشتهر عبر التاريخ كثير من النظريات التي ادعى أصحابها العلمية، وتبين فيما بعد بأنها لم تكن سوى فرضيات أو نظريات ظنية لا ترتكز على العلم الواقعي الثابت. كما قد اشتهر كثير من المقولات التي اكتسبت عبر التاريخ صفة ”الدين” مثل القول بسطحية الأرض وعدم كرويتها، ثم جاء العلم فنقضها، وتبين فيما بعد أنها لم تكن ترتكز إلى أساس متين من الدين، وإنما كانت تقوم على تأويلات أواجتهادات خاطئة أوظنون أوأدلة غير شرعية.
وحتى نتأكد تماماً من صحة ”الدين” أو صحة ما ينسب إلى الدين، اتفق العلماء على اعتبار القرآن الكريم مصدراً رئيسياً من مصادر العلم والتشريع في الإسلام، وخصوصاً الأمور الواضحة وغير المتشابهة، وأما السنة فقد اتفقوا أيضاً على المتواتر منها، ولكنهم اختلفوا حول حجية أخبار الآحاد، وهي الأحاديث المنسوبة إلى النبي الأكرم (ص) والتي لم تبلغ درجة التواتر واليقين. واشتهر عن الإمام أبي حنيفة رفضه العمل بأخبار الآحاد، في حين عرف الإمام أحمد بن حنبل بأخذه بأخبار الآحاد واعتبارها من السنة النبوية.
ورغم أخذ كثير من الفقهاء بأخبار الآحاد إلا أنهم اشترطوا شروطاً كثيرة في المتن والسند، منها عدم تعارض الحديث مع القرآن الكريم أوالعلم أوالعقل أوالأحاديث المتواترة الصحيحة، ولكن بعض ”الفقهاء” ذهبوا إلى الأخذ بالأحاديث مهما كانت، ولذلك وقعوا في تناقض صارخ مع العلم فأساءوا إلى الإسلام من خلال اعتبارهم ما يفتون به من الدين، وأساءوا إلى أنفسهم والمسلمين من خلال تقديمهم لفتاوى غير علمية وغير إسلامية.
قرأت قبل أيام ”فتوى” في موقع ”اسلامي” تؤكد صحة حديث بقاء الجنين أكثر من تسعة أشهر في بطن أمه، ويقول فيها المفتي الشيخ الدكتور فهد المشعل:” قال العلماء: أكثر مدة الحمل أربع سنوات وقيل: سنتان، وقيل: تسعة أشهر، وقيل غير ذلك.
والذين قالوا أربع سنوات استدلوا بالوجود أي بأنه وجد فقد روى الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس إني حدثت عن عائشة أنها قالت: ”لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل” فقال: سبحان الله من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق وزوجها رجل صدق وحملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة كل بطن أربع سنين” أخرجه البيهقي وضعفه ابن حزم.
ويرى الطب الحديث أن مدة الحمل (280) يوماً، ويبقى في المشيمة رصيد يخدم الجنين لمدة أسبوعين آخرين ثم يعاني من المجاعة ومن النادر أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم أسبوعاً بعد العشرة أشهر.
ولعل الأطباء بنوا ذلك على الأغلب لاعلى النادر، والفقهاء السابقون يتكلمون عن النادر، فأمكن الجمع بينهما، وبالله التوفيق”.
وكما يلاحظ فان الشيخ المشعل ينسب القول الأول وهو (أكثر مدة الحمل أربع سنوات) إلى العلماء، في حين يعلل القولين الآخرين وهما (سنتان) و (تسعة أشهر) بنسبتهما إلى مجهولين مشعراً بضعفهما حيث يعبر عنهما بـ (قيل).
ويلاحظ أيضا أنه بنى رأيه على إمكانية طول مدة الحمل لأربعة سنين على رواية للوليد بن مسلم عن مالك بن أنس عن جارة له قال: إنها حملت ثلاثة بطون كل بطن أربعة سنين. ومن المؤكد أن الإمام مالك لم يكن يراقب المرأة مدة الحمل وإنما نقل عن زوجها قوله بأنها حملت ثلاثة بطون خلال اثنتي عشرة سنة، ولا يوجد في قوله ما يؤكد أن كل حمل استمر أربع سنين.
ولست أدري مدى صحة الرواية إلى الإمام مالك، ولكني أعرف بأن قضية طبيعية علمية مثل قضية الحمل لا يمكن أن يبت بها بناء على قول رجل مجهول (جار الامام مالك) وإنما يجب الاعتماد على ما يقول العلم، والعلم مطلقا مدة حمل تتجاوز التسعة أشهر إلا ببضعة أيام.
ومن الواضح أن هذا الرأي الشاذ لا يبتني على حديث متواتر أو آحاد، فضلاً عن تناقضه مع القرآن الكريم الذي يؤكد أن مدة الحمل لا تتجاوز التسعة أشهر حيث يقول الله تعالى في آية :” وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ” الأحقاف ,15 ويقول في آية أخرى: ”والمرضعات يرضعن أولادهم حولين كاملين”. البقرة 233 فإذا حذفنا مدة الرضاعة وهي أربعة وعشرون شهراً من الثلاثين تصبح مدة الحمل ستة أشهر، وهي أقل مدة ممكنة، لا أكثر. ومن هنا فان القول بإمكانية امتداد الحمل والفصال إلى مائة وعشرين شهراً قول يناقض القرآن الكريم كما يناقض العلم. وبدلاً من أن يرد الإمام مالك الرواية المنسوبة إلى السيدة عائشة بإمكانية بقاء الجنين في بطن أمه لسنتين، فإنه أضاف عليها سنتين أخريين.
وقد توقفت عند هذه المسألة التي حسم العلم رأيه فيها منذ زمن بعيد، لأشير إلى منهج بعض الفقهاء القدماء والمعاصرين في استنباط الحكم الشرعي دون التفات إلى عرض الرواية على القرآن الكريم أوالعلم الثابت أوالعقل السليم، وإذا كانوا يقبلون روايات ضعيفة واضحة الضعف كهذه فكم من الروايات الأخرى الخاطئة يمكن أن تمر عليهم دون أن يعرفوا خطأها؟ وكم من الفتاوى التي يمكن أن يقدموها للمسلمين وهي لا تستند إلى أصل ثابت في الدين، وهم يحسبون أنها من صميم الدين؟
إن الحكم بصحة رواية الحمل الطويل، في القرن الواحد والعشرين، تؤكد وجود خلل في منهج الفقهاء الحشويين الذين يأخذون بكل رواية لمجرد إنها جاءت في كتاب قديم أورويت عن إمام كبير، ويرفضون ممارسة الاجتهاد وإعمال العقل والتحقيق أواعتماد العلم الصحيح.
ولنا أن نخمن ونقول ما أكثر الأحكام والمسائل والعقائد التي دسها الرواة والفقهاء والمحدثون في الدين وهي ليست من الدين. وما أحوجنا من أجل معرفة الدين الصحيح إلى إصلاح المنهج الفقهي والعودة الى القرآن الكريم والعلم والعقل في تمييز الروايات واختيار الصحيح.
إن مشكلة الكثير من الفقهاء تكمن في أنهم يبنون أحكامهم وفتاواهم على أقوال الناس، والإشاعات والأساطير، ولا ينظرون إلى الواقع، ولعل تسرع بعض الفقهاء في الحكم على حزب الله بأنه ”رافضي” واتخاذ موقف سلبي منه في معركته الأخيرة مع اليهود، نموذج حي على خطأ الفتوى والموضوع، في تكفير ”الرافضة” والحكم على حزب الله بأنه ”رافضي”. ومن المعروف أن تهمة ”الرفض” في التاريخ كانت تهمة غامضة ومطاطة غير محددة، تقوم على اتهام كل من يرفض خلافة الشيخين، وهي مسألة سياسية لاعلاقة لها بأصول الدين، ولا تستدعي تكفيراً ولا تضليلاً. وبغض النظر عن حقيقـــتـــهــــا فــــــإن توجــــيــــه هـــــذه التــــهـــمــة إلى حــــزب معيــــــن أو طائفة معينة، بناء على تشابه الأسماء والعناوين، ومن دون تثبت أو تحقيق أو نظر إلى الواقع، يشكل مجازفة غير علمية، إضافة الى مايحمل من مخاطر الإساءة إلى المسلمين، أواتخاذ مواقف سلبية منهم في خـــــضــــم صراعــــهــــم مع الأعداء، وفي وقت أحوج ما يكونون فيه إلى المنـــاصرة والتأييد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























