عندما يصبح التقريب بدعة تصبح الحرب سنة
كتبها الشورى ، في 19 نوفمبر 2006 الساعة: 17:16 م
عندما يصبح التقريب بدعة تصبح الحرب سنة
أحمد الكاتب
يعود جزء من تخلف الأمة الاسلامية في الوقت الراهن، وتأزم علاقاتها الداخلية والخارجية، إلى شعور بعض الجماعات ”الإسلامية” النشطة بأنها تمتلك الحق المطلق، وعدم وجود أي عيب أو خلل فيها، ولذلك فهي ترفض مقولة الحوار الحضاري مع الأديان والتيارات العالمية المعاصرة، إضافة إلى رفض الحوار الداخلي مع المذاهب والأحزاب الداخلية، وتعتقد بناء على ذلك أن على الجميع أن يبادر إلى انتهال الحق المطلق والماء الزلال من معينها الصافي. وبالرغم من عدم وجود تلازم منطقي بين صحة الإسلام وبين فهم تلك الجماعات له، أو تطابقها معه مائة بالمائة، فان تلك الجماعات تعيش حالة من الغرور والاستعلاء على بقية المسلمين والحضارات المختلفة المعاصرة، التي لا ترى فيها أية إيجابية لا توجد لديها.
وبغض النظر عن الموقف من الأديان، فإن الحضارة تقوم على منظومة علوم وتجارب انسانية، قد يتقدم فيها شعب ويتأخر شعب آخر، وأن المسلمين كانوا يوماً رواداً في تلك العلوم والتجارب الحضارية الانسانية، وأنهم اليوم يعيشون حالة تخلف حضارية واضحة على المختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، وبالتالي فانه عليهم الاعتراف بالتخلف الحضاري، والسعي من أجل اللحاق بالقطار الانساني، والحوار مع الحضارات الأخرى القائمة والمتفوقة عليهم.
ولكن بعض المسلمين - من فرط تخلفهم - لا يدركون أنهم متخلفون، وبالتالي فلا يشعرون بأية حاجة للحوار مع الآخرين. بل ويعتبرون دعوات الحوار التي يتقدم بها الآخرون محاولات مشبوهة نابعة من أزمات ومآزق يعيشها أولئك. ويفترضون أن الحوار يؤدي بالضرورة الى تنازل المسلمين عن إسلامهم، أو ترويضهم وشق صفوفهم. ولا يحتملون أبداً أن يتفق المسلمون مع المسيحيين أو اليهود على القضايا المشتركة كتوحيد الله والإيمان باليوم الآخر، ودعم السلام والعمل الصالح. وذلك لأنهم يؤمنون باستمرار حالة الصراع بين المسلمين وسائر الأديان الى يوم القيامة، وبارتباط الصراع مع العقيدة وباستحالة تجاوز التاريخ الطويل من العداء بين الطرفين. كما يعتبرون المسلمين الذين يشاركون في ندوات الحوار مع الآخرين (وخصوصا الغربيين) بأنهم مغفلون وسذج وضعاف الإيمان والتدين وأدوات لتمرير مخططات المستعمرين.
واذا تنازلنا لهؤلاء الرافضين للحوار الحضاري مع الغرب، وسلمنا بمقولاتهم بعدم الحاجة أو الفائدة من ذلك الحوار، فما هي حجتهم في رفض الحوار الداخلي مع أبناء المذاهب الاسلامية الذين يختلفون معهم في بعض التفاصيل؟ ولماذا يرفضون الوحدة أو التقارب معهم؟
قرأت قبل أيام في إحدى المجلات الاسلامية التي تهتم بنشر الوعي الاسلامي والعلم الشرعي في العالم - كما تقول - ما يلي:”إن بدعة التقريب والتقـارب شـأنها شأن البدع جميعًا، تقدم نفسها على أنها خدمة للحق والحقيقة، وجهد في سبيل الله، ولكنها - علم ذلك مبتدعوها والمدندنون لها أو لم يعلموا - جهد في سبيل الشيطان”.
ويحلل الكاتب دعوات الحوار لإزالة الخلاف السني- الشيعي، بأنها تنبثق من الجانب الذي يواجه طريقاً مسدودًا، وتهدف إلى تسويق أصوله لتكون مقبولة عند الـطـرف الآخر. ويفترض أن الطرف الآخر كتلة حجرية تنام على قارعة الطريق عبر التاريخ، ولا يمكن أن تتغير قيد أنملة، ولذلك فلا فائدة للحوار مع أحد.
وهو في البداية يرفع الخلاف الى درجة الخلافات العقدية الأصولية، فاذا ما جاء أحد وقال له بأن الخلاف فرعي وبسيط ويدور حول قضايا عفا عليها الزمن، وأن من الممكن الاتفاق حول القضايا الخلافية كموضوع الالتزام ”بالسنة” أو التخلي عن بعض النظريات السياسية القديمة، أو طي صفحة بعض القضايا الغيبية التي لا تشكل مادة للخلاف الجدي المعاصر، كموضوع المهدي المنتظر، فانه يرفض القبول بذلك، لأن هذه ”التنازلات” في نظره تخالف الصورة التاريخية الجامدة التي يحملها عن الشيعة والتي لا يمكن أن تتغير.
فيتساءل:”كيف يمكن التخلي عن فكرة الإمامة؟ أليست أصلاً من أصـول الـدين عند الشيعـة تعـادل الإيـمـان بـالله وملائكتـه وكتـبـه ورسلـه واليوم الآخر والقدر؟ والمنطق الإيماني يقول: إن الإيمان بهذه الأمور كل لا يتجزأ، وإن كل الأصول الشيعية تنبع من مشكلة الإمامة وإليها تعود، وكذلك قضية المهدي المنتظر، لو ترك القوم الاعتقاد بالمهدي لانهار ركن ”الرجعة” وما ينبني عليه ويتفرع منه - وهو كثير- عندهم”.
ولا ينظر الكاتب الى التطورات الجذرية الهائلة التي حدثت وتحدث في صفوف الشيعة، الى درجة الإيمان بالنظام الديمقراطي، وعدم اشتراط العصمة أو النص أو السلالة العلوية الحسينية، أو الفقه والعدالة في الإمام المعاصر.
ومن المعروف ان المذهب الشيعي ونظرا لانفتاح باب الاجتهاد، يموج بآراء وأفكار متعددة ومتحركة لا تلتزم بأي نظريات سابقة، ولا تقدس أي كتاب غير القرآن الكريم، وهو ما يؤهلها لتقبل النقد والحوار حول أي موضوع، وهي تواصل عملية النقد الذاتي والتطور والتطلع نحو الأفضل، ولكن الكاتب الرافض للحوار مع الشيعة يخشى في الحقيقة على نظرياته الموروثة الجامدة من النقد والتطور، فيرفض أية عملية للحوار، قد تسلط الضوء على نقاط سلبية في منظومته الفكرية التي يحسبها من الاسلام وما هي من الاسلام.
ولو عاد الكاتب الى الوراء، والى الجيل الاسلامي الأول، لأدرك الاسلام طريا صافيا بدون ألوان مذهبية، مما يدل على أن الاسلام هو الجامع المشترك الذي يتعالى على المذاهب والأحزاب، وان النظريات المذهبية المختلفة ليست سوى اجتهادات ظنية قابلة للحوار والأخذ والعطاء. وما يؤكد ذلك تشعب كل مذهب الى مذاهب فرعية، واختلاف الصورة لدى كل مجتهد بين التطرف والاعتدال. فكيف يجوز الحوار إذن بين فقهاء كل مذهب ولا يجوز الحوار بين المذاهب الاسلامية المختلفة؟ الا اذا قلنا بأن الكاتب الرافض للحوار الاسلامي، يرفض أيضا أي حوار داخلي، ويعتقد بأن يتوصل اليه اجتهاده وحيا من الله لا يجوز مناقشته أو الرد عليه.
وفي الواقع هناك بعض الفقهاء ممن يعتقد بأنه شخصيا يمثل الحق المطلق، ولا يسمح بأية معارضة علمية لآرائه، وهذا نوع من الديكتاتورية أخطر من الديكتاتورية السياسية، ويؤدي الى إشاعة الرعب والإرهاب حتى داخل الفريق الواحد، وعادة ما تقترن الديكتاتورية ”الدينية” مع الديكتاتورية السياسية، أو تكون تابعة لها وممهدة، وتقوم بدور المخدر للجماهير.
وهو ما يكشف عن خواء علمي وفقر ديني وفقدان للدليل، وخوف من المعارضة الشعبية، ومن الحوار. ولو كان أي مذهب أو اجتهاد يقوم على أدلة علمية قاطعة، أو يتمتع بنوايا حسنة صادقة، فانه لا يمكن أن يخشى الحوار، بل يبحث عنه في أقصى أطراف الأرض، لأنه يبحث عن الحق والحقيقة.
ومن هنا فقد شعرت بصدمة وأنا أقرأ لرئيس تحرير المجلة ”الاسلامية” قوله:”إن مقولة التقريب أسطورة من الأساطيـر، لـو أنتجت نتـائجهـا المنطقية لجعلت كل طرف يتخلى عما هو أساسي في عقيدته، ولتشكل من ذلك فريق ثالث لا هو سني ولا هو شيعي، فهل يمكن تصور وجود هذا الفريق في المجتمع الإسلامي؟”.
ولنفترض ان الحوار الاسلامي قاد الطرفين السنة والشيعة الى مربع واحد جديد، فما الضير في ذلك؟ ألم يكونوا متحدين في القرون الأولى بحيث لا يمكن لأحد التمييز بينهما؟ ألم يكن كثير من أئمة أهل الحديث والسنة شيعة لأهل البيت؟ وألم يكن كثير من الشيعة الأوائل من أهل السنة بكل معنى الكلمة؟
ألم يحدث الفراق بينهما بسبب الآراء المتطرفة والنظريات المغالية؟ فاذا تحاور الطرفان وتخليا عن التطرف والغلو والنظريات المفرقة، فانهما يعودان الى معين الاسلام وكلمة الحق الأولى.
وبدلا من أن يعترف الكاتب بهذه النتيجة الطيبة ويسعى اليها، ويدعو الى الحوار، يفترض بأن التخلي عن المباديء الأساسية في كل مذهب سوف يؤدي الى تشكيل فريق جديد هو فريق ”الإلحاد”.
ولست أدري كيف بنى الكاتب حكمه هذا؟ وعلى أي أساس؟
وهل هو مستعد في محاورته حول رأيه هذا؟ أم أنه يرفض النقاش في ذلك؟
وعلى أي حال، وإذا أصر الكاتب، ومن ورائه التيار والأطراف السياسية التي تدعمه، على رفض الحوار مع المذاهب الاسلامية المختلفة، واعتبر ذلك بدعة وأسطورة، فكيف سينظر الى العلاقة مع الآخرين داخل البلد الواحد والأمة الواحدة؟ هل سيعتبر الحرب سنة وضرورة حتمية مؤكدة؟ وهل سيسمح للآخرين بالعيش بسلام في كنفه؟ أم سيحاول فرض آرائه ونظرياته بالقوة؟ وماذا سيكون رد فعل الآخرين تجاهه؟ هل سيتوقع منهم الخنوع والاستسلام؟ أم سيستعد لمجابهة أية ثورة يمكن أن يقوموا بها ضده؟
ألا يقود هذا الفكر الى سلسلة لا تنتهي من الحروب والثورات ؟ وعندها أين سيكون موقع الأمة الاسلامية في خارطة العالم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 29th, 2006 at 29 نوفمبر 2006 2:15 ص
مقالك به الكثير من المغالاطات والدس ويحتاج منك مراجعه مجرده من الاهواء
على كل حال .. قد عرفتك من كتاباتك
.. ولى معك حديث فى وقت اخر