جنة لا تضيق على أحد .. مراجعات الشيعة

كتبها الشورى ، في 27 نوفمبر 2008 الساعة: 11:19 ص

GMT 23:45:00 2008 الأربعاء 26 نوفمبر

أوان الكويتية



غسان الشهابي

ليس جديداً هذا البيان الذي وقعه أحد عشر من المثقفين والناشطين الشيعة، الداعين إلى أهمية مراجعات شاملة للمعتقدات المذهبية التي – من وجهة نظرهم– لم تصل بهم إلى مكان، بل خلقت الغربة والنفرة أحياناً كثيرة، بينهم وبين بني عمومتهم من متبعي المذاهب التي تسمى مذاهب «أهل السنة والجماعة»، على اختلافات المسافة بينها وبين بعضها، والمسافة الفاصلة أيضاً بينها وبين الشيعة.

هذا البيان – كما قلنا – ليس جديداً من ناحية أنه في السنوات العشر الأخيرة، على الأقل، بدأت تظهر حركات وأفكار من داخل البيت الشيعي تدعو إلى نبذ بعض الممارسات والشعائر التي اختص بها الشيعة من دون غيرهم من المسلمين، أو التخفيف من بعضها، وإعادة مراجعة الفكر ككل، من دون ضرورة نسفه، أو تحويله، أو نقل تابعيه من مذهب إلى آخر، أي أن الكثير من الأفكار لم تكن تريد للمذهب الشيعي (الجعفري) أن يضمحل، أو يذوب في المذاهب الأخرى، إنما ليلقي نظرة على نفسه، ويتخفف من الكثير من القيود والممارسات التي لا تفعل سوى أن تحرّض الطرف الآخر على سوء الفهم.

وليس معنى هذا أن الأطراف الأخرى بريئة من مسألة التجييش والتحريش والإشارة بالسوء إلى الشيعة ككل، إذ يجمل بعضهم الشيعة كلهم، محسنهم ومسيئهم، ومتفتحهم ومغاليهم، ومجددهم ومقلدهم، ومتوازنهم ومتطرفهم، في سلة واحدة ما دام ينتمي إلى المذهب الجعفري، مطلقين عليهم من الأوصاف ما يكرِّه أتباعهم في أتباع المذهب الآخر، وهو الأمر الذي دأب عليه –أيضاً – بعض الغلاة من المذهب الجعفري الذين يجملون أهل السنة جميعاً في وصف بغيض دلالياً وله من الانعكاسات ما له بقولهم «بنو أمية»، وكأنهم يحمّلون سنّة اليوم ما حل بالإمام الحسين بن علي قبل قرون مضت. ومع أن ثلة من أهم الأئمة الشيعة الاثني عشر قد قتلوا في العهد العباسي، إلا أن الوصف يذهب إلى تلك الحقبة التي لا تني تتكرر قصصها من فوق المنابر.

لقد أسرف الطرفان خلال القرون السالفة في الإشاحة عن بعضهما، وصياغة الأجندات الخاصة بعيداً عن الطرف الآخر، والحذرة من الطرف الآخر، والنافية أيضاً للطرف الآخر، واعتبار أن المسألة لا تقل عن مسألة وجود وكينونة، وأن أي لين أو تهاون في هذا الموضوع، يعني تعرض المذهب للاندحار، والوجود إلى خلخلة أو زوال.

وإذا كان كبار القوم من الطائفتين لا يلقون إلا أشباههم، ولا يخالطون إلا نظراءهم، ولا يحيط بهم إلا خاصتهم، فإن الناس العاديين الذين يُحمّلون هذا الفكر الإقصائي والحذر من الآخر، والمكفّر والمفسق للآخر، والمشكك في الولاء والوطنية، والمتيقن بأن ذاك الذي يختلف عنه مذهبياً لا ينام ليله إلا بعد أن يدبر المكيدة له، ويحيك أطراف المؤامرة ضده، هم من يدفعون الثمن عادة، وهم من يُدفعون ليكونوا أتون هذه النار التي إن استعرت – لا قدر الله – فلن تطال عمامة أو لحية أي من أولئك المفتين المحرّضين الحاقنين للكره، وإنما ستحصد أرواح وأحلام البسطاء الذين يحتكون بعضهم ببعض يومياً.

ما قاله نذير الماجد (أحد الموقعين على البيان) صحيح، بتوقعه لردود أفعال حادة من قبل الوسط المتدين شيعياً، فكل دعوة تجديد ستجد مقاومة، وستعصف بأهلها ربما، وربما سيجري نفيهم وتسقيطهم مجتمعياً ودينياً، ولن تكفي «النخبة» التي قال الماجد عنها لتقيهم نيران الغضب الشعبي على محاولة «هدم أركان المذهب»، ولكن قدر أي داعٍ للتجديد، ومحاولة إضعاف سلطان السيطرة والجاه والثروة، أن يحارَب ويهاجَم ويلقى نكالا.

يحمل البيان نفسه في طياته تأكيداً لما ذهب إليه الرئيس المصري حسني مبارك قبل حوالي العامين، من أن الشيعة في الدول العربية في الخليج تذهب انتماءاتهم السياسية والولائية إلى الخارج، وهذا – بتعميمه – لا يلقى القبول، ولكنه، بشكل عام، غير مخطئ، إلا أن كثرة من الكتاب والمحللين الخليجيين السنة رأوا في الاستنكار العام الذي قوبلت به تصريحات الرئيس المصري من قبل أطراف من الشيعة ما يمكن معه أن يُقبل الأمر حتى لا تكون فتنة، ولا يبدأ كل طرف بفرد سجلاته عن الآخر.

غير أن البيان الأخير عاد إلى المسألة نفسها، وأشار إلى أهمية أن يكون ولاء المواطنين الشيعة لأوطانهم أولاً، وفي هذا إشارة كافية لما أنكره البعض سابقاً، وهي دعوة لا شك قيّمة، ولكنها تحتاج – مثل الإيمان – أن تقرّ في القلب، ويصدّقها العمل، من قبل الحكومات أولاً، بمنح الشيعة الحقوق الدينية، ورفع أي نوع من التمييز يقع عليهم بسبب انتمائهم، والعمل من قبل الشيعة بالكف عن نسج وحبك كل هذه الخصوصية العالية في الخطاب الجوّاني في الحوزات والحسينيات الذي يجعل من الشيعة صنفا من البشر غير الآخرين.

ولكن بمراجعة القضايا التي جرى طرحها في البيان، من مثل التعرض بالسوء للصحابة، وخصوصاً الخلفاء الثلاثة السابقين للإمام علي بن أبي طالب، واللطم وضرب الصدر في عاشوراء، والانتماء إلى بقية المسلمين في الشؤون العامة، بما يجعلهم على صعيد واحد وطنياً، يرى بعض الشيعة الذين لم تكن لهم يد في التوقيع على هذا البيان، أن الموقعين لم يمسوا إلا القشور من القضايا الفقهية من دون أن يذهب البيان ومن وراءه إلى الآليات والثقافات التي أفرزت ما يحاول مثقفون من الشيعة اليوم البراء منه.
أيّاً ما يكن، فإن هذه الدعوة لتجديد الفكر ليست مقصورة على الشيعة فقط- وإن كانت الآليات الشيعية أكثر تزييناً لإحداث هذا النوع من المراجعات نظراً للنشاط العالي للحوزات الأساسية في عدد من البلاد ونظمها العلمية ومناهجها الناقدة – فالمذاهب السنية أيضاً مدعوة إلى أهمية إجراء مراجعات مشابهة لعصرنتها وتخليها عما يمكن أن يمنع مد الجسور الذاهبة إلى الجميع، مع المحافظة – كما في المذهب الجعفري– على الخصوصية. فإنه من الاستحالة أن يقف المسلمون جميعاً على صعيد واحد بفهم واحد، ولكن هناك حدود للاختلاف في عبادة الله، فالله لا يقبل أن يرفع المصلي رأسه بعد طول سجود وجبينه مضمخ من دم أخيه، فالجنة التي عرضها السماوات والأرض ستسع الجميع.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر