أحمد الكاتب: هل يمكن ضبط عملية الإفتاء؟
كتبها الشورى ، في 30 يناير 2009 الساعة: 01:25 ص
أحمد الكاتب
30 يناير 2009
بينما كانت القذائف الإسرائيلية تنهمر على رؤوس الفلسطينيين في قطاع غزة، كانت الفتاوى المتضاربة تتطاير من هنا وهناك، فقد أصدر الشيخ القرضاوي فتوى بوجوب مجاهدة الأعداء وتحريم مساندة المسلم للعدو أو موالاته ”فالمسلم لا يوالي الكافر، والبر لا يوالي الفاجر، فإذا والاه كان دليلاً على نقص إيمانه أو على زوال إسلامه والعياذ بالله، فهو نوع من الردة، ولون من المروق عن الإسلام”. وأصدر أكثر من مائة من العلماء المسلمين في الوطن العربي بياناً مشابهاً نددوا فيه بما أسموه مظاهرة اليهود على المسلمين في غزة، واعتبروه تعاوناً صريحاً مع العدو اليهودي وناقضاً من نواقض الإسلام العشرة المتفق عليها. ودعوا الرئيس المصري خصوصاً إلى فتح معبر رفح بلا شرط أو قيد، وترك الأنفاق الأهلية وعدم تتبعها. وحذروا كل من يتعاون من الشرطة والجنود في مراقبة الحدود، ودعوهم إلى التمرد على أوامر حكامهم إذ لا حجة لمن قال من الجنود: إنه عبد مأمور؛ لأن العبودية لله وحده، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ودعوا كل من يقف ضد الجهاد في سبيل الله تعالى سياسياً أو إعلامياً أو عملياً، أو منع دخول الإمداد والسلاح للمجاهدين بغزة إلى إعلان التوبة إلى الله تعالى. بينما قال جمال المراكبي رئيس جماعة أنصار السنة، كبرى الجماعات السلفية بمصر: ”إن ما تضمنه البيان ليس له أصل من الدين”، وإنه يعارض تماماً منهجنا فى الدعوة وهو عدم الخروج على الحاكم وعدم تكفيره طالما لا ينهانا عن الصلاة”. مؤكداً ”نحن ننصح حكامنا بدعم غزة ونأمرهم أن يقيموا المعروف وننهاهم عن المنكر لكننا لا نكفر منهم أحداً ولا نخلع منهم يد الطاعة”. وبينما كان عامة العلماء المسلمين في جميع البلدان العربية والإسلامية وغيرها يدعون الناس إلى تأييد أهل غزة المحاصرين والذين يتعرضون للقصف من قبل الجيش الإسرائيلي، بكل أشكال الدعم والتأييد، وعلى رأسها النزول إلى الشوارع في مظاهرات عارمة تعبر عن السخط والاستنكار لما يجري في غزة، كان بعض المشايخ يفتي بحرمة المظاهرات ويعتبرها غوغائية ونوعاً من الإفساد في الأرض، ويرفض حتى المقاطعة الاقتصادية للشركات التي تدعم إسرائيل. وفي هذه الأثناء عقد في المجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة مؤتمر عالمي للفتوى وضوابطها، في محاولة من أجل تنظيم عملية الفتوى المنشرة في العالم الإسلامي بلا حدود، ومواجهة الفتاوى الشاذة. ودعا المؤتمرون إلى تأصيل المهام المتعلقة بالإفتاء وإصدار الفتاوى ومعالجة المشكلات التي تتعرض لها الفتوى في هذا العصر الذي كثر فيه المتصدون للإفتاء عبر المحطات الفضائية والإنترنت والصحف. وأصدر المشاركون ميثاقاً للفتوى؛ يتضمن الرؤية التي تم التوصل إليها بشأن الفتوى وضوابطها، وأعمال الإفتاء والمهام التي ينبغي أن تقوم بها دور الإفتاء في العالم الإسلامي. وقد جاء هذا المؤتمر في أجواء من الفوضى في مجال الفتوى، فهذا يحلل وذاك يحرم وهذا يكفر وذاك يأمر بالطاعة المطلقة للحكام ما لم ينهوا عن الصلاة، والآخر يحرض الجنود على التمرد، وهو ما أثار موجة من السخط في أوساط مختلفة، ودعا إلى تنظيم عملية الإفتاء. ولكن هل بإمكان أي مؤتمر أو أية جهة السيطرة على عملية الإفتاء؟ لا أعتقد أن بإمكان أحد السيطرة على عملية الإفتاء مع وجود التلفزيون والإنترنت، ورغم كل الشروط التي وضعها المؤتمرون للإفتاء من أجل الحيلولة دون فوضى الإفتاء، فإن أول من يبادر لخرق تلك الشروط هم كبار ”العلماء” هنا وهناك. ولست بحاجة لتذكير أحد بالفتاوى العجيبة الغريبة التي صدرت من هذا المفتي ”الرسمي” أو ذاك، أو من بعض أساتذة الحديث والشريعة، أو الفتاوى التي لم تصدر من بعض المراجع الصامتين في وقت الحاجة لمثل تلك الفتاوى، وبعض الصمت نوع من الفتوى السلبية التي تساهم في تضليل الناس وعدم إرشادهم إلى الموقف الصحيح المطلوب في الفتن والاضطرابات. إذن فالحل الأفضل لأزمة الإفتاء في العالم الاسلامي هو تجريد الإفتاء من المسحة الدينية والادعاء بأن الفتوى تبيان للحكم الشرعي ولحكم الله، والتواضع قليلاً بالاعتراف بأن ”الفتاوى” آراء شخصية ظنية يحسبها ”المفتي” أنها قريبة من حكم الله، وقد لا تكون كذلك. ومادامت عملية الإفتاء مفتوحة ومستمرة ولا يحدها حدود، فمن الأفضل أيضاً تجريد الإفتاء من الصفة الإلزامية والقدسية، والاعتراف بأن الفتوى رأي لا يلزم إلا صاحبه، ولا يمكن أن يؤخذ به إلا إذا اقترن بالدليل، وفي هذه الحالة تقع المسؤولية على المستفتي الذي له كامل الحرية في أن يلتزم بالفتوى أو يدير ظهره إليها. ولا يحق لأي مفتي أن يفرض فتواه على الناس، مهما تمتع بدعم الحكام والسلاطين، فلا حق له ولا يجوز له أن يفرض آراءه الشخصية الظنية أو فتاواه على الناس، إلا إذا ارتأى الناس الالتزام بها طواعية، وهذا أمر لا يتحقق إلا عبر قنوات دستورية ديموقراطية كمجالس الشورى والبرلمانات، التي يصوت فيها النواب على مشاريع القوانين بأغلبية فتصبح قوانين ملزمة. وبصراحة هناك في عالمنا الإسلامي حكام مستبدون يكرهون الاحتكام للشعب، ويحاولون تغطية أعمالهم ومواقفهم بأغطية دينية، فيأتون بمشايخ لا يعرف أحد مقدار علمهم وتقواهم، ويجلسونهم في كراسي الإفتاء ليفتوا حسب الطلب، خلافاً لروح الشريعة ومصلحة الشعب. ولا يمانع هؤلاء من دعم الحكام المستبدين في مصادرة حقوق الشعب الأولية باسم الفتوى والشرع، في الوقت الذي كان يجب عليهم مطالبة الحاكم المستبد بتسليم السلطة للشعب وتأليف مجالس شورى منتخبة تتولى عملية التشريع في أمور الحياة الضرورية، وليس الإفتاء من أجل تكبيل حرية الشعب في كل صغيرة وكبيرة. لقد أوصى العلماء الذين اجتمعوا في مكة وسائل الإعلام بعدم نشر الفتاوى الشاذة أو الترويج لها. ولكن من يحدد هذه فتوى شاذة أو غير شاذة، وما أكثر الفتاوى الشاذة والفتاوى التكفيرية التي يصدرها علماء كبار أو مفتون مشهورون، فمن يقول أو يجرؤ على الوقوف أمامهم ليطالبهم بتقوى الله؟ وهم الذين يتلبسون بلباس التقوى والعلم والدين، ويرفضون أن يطالبهم أحد بتقوى الله؟ يقول البعض إن الحل يكمن في تشكيل مجالس للإفتاء ومؤسسات لعلماء الدين. ولكني أعتقد أن هذا حل أسوأ من الفوضى في الإفتاء، إذ إن حبس الدين في مؤسسة أو هيئة رسمية للإفتاء سوف يجبر الدين كل الدين لخدمة حاكم فاسد، أو يحجر عليه ويحول دون التطور. ويؤدي إلى فرض رؤية واحدة محافظة على الجميع إلى ما لانهاية باسم الإجماع، ويصادر حق الاختلاف وحرية الاجتهاد ويقضي على المعارضة. وكما هو معلوم فإن هناك مذاهب وتيارات وأحزاب سياسية دينية وكل واحد من هؤلاء يعتقد أنه على الحق المطلق وأن الآخرين مبتدعون أو على الباطل، فكيف نعطي لجهة واحدة الحق في السيطرة على المجتمع والتحدث باسم الدين؟ وهل سيكف الآخرون عن الإفتاء المضاد والهجوم على الهيئات الدينية الحاكمة، والتشكيك بفتاواها؟ وإذا أقمنا مجالس إفتاء مشتركة ومختلطة من كل الأحزاب والطوائف فهل يمكن أن نصل إلى الإجماع حول موقف موحد؟ وأساساً لماذا نحتاج إلى كل هذه الفتاوى مع أن الإسلام بسيط وقوانينه معروفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























