مستقبل العراق في سياق إمكانيات الراهن
كتبها الشورى ، في 31 يناير 2007 الساعة: 00:21 ص

http://www.alriyadh.com/2007/01/25/article219301.html
محمد بن علي المحمود
أطلال العراق اليوم، ليست كأطلال أسلافنا الأوائل، التائهين في غياهب التصحر والصحراء، يوم أن كانوا لا يملكون من دنياهم سوى ذلك الدمع الملتهب، يواجهون به جفاف العواطف ومحنة الوجود. كل تلك الدموع بللت الثرى من تحت أقدام الشعراء البؤساء؛ فمنحتهم قليلا من العزاء الجاف؛ لم تعد تجدي فتيلا في البكاء على أطلال العراق اليوم؛ لأنها تكاد تكون أطلال إنسان عبثت به الجغرافيا، وخانه التاريخ .
ما يحدث في العراق اليوم جريمة؛ وليست كأي جريمة. إنها جريمة يشترك فيها الجميع، ولا يوجد أحد بريء. في هذا السياق الراهن؛ لا ينفع البحث عن البداية: مسؤولية من؟. قد يسهل تحديد من أشعل نار الطائفية أولا؛ وهم بلا شك، أولئك الذين احتضنوا الزرقاوي وأشباه الزرقاوي منذ الأيام الأولى لسقوط بغداد. وهذا لا يعفي من المسؤولية - بأي حال - أولئك الذين منحوا الحرب الطائفية مشروعيتها بأسلوب النفي المتبادل .
اتهام إيران بالتدخل ليس اتهاما باطلا. كما أن هذا التدخل السافر في الشأن العراقي، ليس شرا كله، بل ربما كان ضروريا؛ لو أنه وضع في سياق المصلحة العراقية التي تضمن استقرار العراق ابتداء. وهو استقرار لإيران في بعده الاستراتيجي. لكن، كل واحد من الأطراف المتناحرة، تعجل قطف الثمار التي عجلت بها حرارة الأحداث قبل أوانها. وهذا القصر الحاد في النظر السياسي، الذي يحدد مجال رؤيته في سياق المتعين المادي، هو الأسلوب النمطي للتفكير السياسي في دول العالم الثالث .
وإذا كانت إيران ذات البعد الطائفي المعلن، تتدخل على نحو مؤسساتي، فإن الأطراف الأخرى المناوئة للإيديولوجيا الإيرانية، قد تدخلت على نحو (جماعاتي) ولو في صور المبادرات الفردية التي يستحيل نجاح وصولها أرض العراق خارج إطار الجماعة. إذن، الأطراف الأخرى المقابلة للمشروع الإيراني لم تكن بمنأى عن المشهد منذ اللحظات الأولى. بل ربما كانت في الأشهر الأولى، هي الأرفع صوتا من كل مكونات المحلي العراقي .
لكن، ما أدى إلى تأزم الوضع العراقي - طائفيا - هو نجاح المشروع العراقي/ الإيراني نجاحا حاسما على أكثر من صعيد. وهذا النجاح - في سياقه - طبيعي؛ لأن المشروع المؤسساتي المنظم، لا يصمد أمامه الجهد العشائري، ولا الفلول الفردية التي تأتي من خارج الحدود؛ إذ هي على أي حال، لا تمتلك ما تمتلكه الدول من قدرة على الدعم المادي والمعنوي، وعلى التغطية القانونية؛ في حال اضطر المشروع بأكمله إلى التراجع .
هذا الدور الإيراني الذي أدى إلى صعود فريق عراقي على حساب فريق آخر، هو ما أدى صعود النبرة الطائفية عن الفريق السني؛ بحسبانها رد فعل على الانبعاث الطائفي المدعوم من إيران لدى الآخر. نسي الطرف السني - أو تناسى - العبث الذي كان يمارسه في السنة الأولى من سقوط النظام. نسي التحذيرات التي طالما رددناها، وأوضحنا فيها أن دعم الإرهاب (ما يسمى بالمقاومة) إنما يشكل تقويضا خطيرا لمدنية الدولة التي كانت في إطار التكون. يوم أن كان الفريق السني يدعى إلى الشراكة الديمقراطية كان يمانع؛ بدعوى وجود الاحتلال. وكأن الحكومة يمكن أن تتشكل في فضاء معلق؛ بعيد عن شروط الواقع !.
يوم أن كانت الفلوجة تمارس عصيانها العسكري الشرس، ويوم أن كانت تحتضن الإرهابيين القادمين من كل صوب، كان الفريق السني لا يخفي تعاطفه الشديد مع العصيان المدني فيها وفي الرمادي. هذا إن لم تكن بعض أطيافه تعلن الدعم الصريح. إن أولئك الذين دمروا الخطوات الأولى للدولة المدنية في العراق، والتي كان يمكن أن تشكل ضمانة استقرار؛ فيما لو تم الالتفاف حولها، هم الذين كانوا يحلمون بإنشاء دولة الخلافة، وبمبايعة الزرقاوي خليفة للمسلمين !.
إشكالية العقلية التقليدية المتكلسة، التي لا زالت تعاين الوقائع المعاصرة من خلال ثنائية: التحرير/ الاحتلال، أنها تبقى رهينة رؤيتها التقليدية. ومن هنا، يسقط الواقع من يديها، وتبقى فاغرة فاها؛ تسأل: لماذا؟ ثلاث سنوات منذ بداية تحرير العراق من نظام صدام، كان مشروع الدولة المدنية، يلاقي تعنتا سنيا واضحا، بدأ من رفض المشاركة في الحكومة، وانتهى - للأسف - بدعم ما يسمى بالمقاومة (الإرهاب).
هذا التعنت الذي كنا - كسنة - نرحب به سرا أو جهرا، هو بذاته الذي أخّر ضبط العراق؛ فسمح للتدخل الإيراني بأن يأخذ مداه، كما سمح للحكومة بأن تكون طائفية، وأن تجد نفسها - مضطرة - إلى أن تكون مواجهتها مع الإرهاب، ذات طابع طائفي؛ لأن الطرف الذي لم يشترك - بفاعلية - في الحكومة، كان هو المقاوم لها. ومن الطبيعي أن تجد نفسها مضطرة للتصدي له بحزم. وهذا أوقعها في فخ الطائفية؛ رغما عنها .
الذين كانوا يهاجمون عمليات الإرهابيين، ويكشفون زيف دعاوى المقاومة، وينصحون السنة بالدخول في العملية الديمقراطية، كانوا - في سياق الغوغائية الإسلاميوية والعروبوية - يتهمون بالخيانة والأمركة …إلخ. وهنا تكمن مشكلة العقل العربي، وهي أن ما يحدد رؤيته، ومن ثم سلوكه، هو ما يريد ويرغب، وليس ما تستطيع إمكانيات الواقع الفعلي أن تمنحه إياه.
على أية حال؛ لا ينبغي اليأس، لا لأن في الواقع كثيرا مما يدعو إلى الأمل، وإنما لمجرد أننا لا نمتلك سواه. مستقبل العراق ليس من السهل التحكم فيه بدقة؛ من قبل أي طرف من الأطراف، حتى الطرف الأمريكي الأقوى والأقدر على تحديد المصائر في كثير من مكونات المشهد العراقي. لكن، وكبداية تنظيرية، لا بد من مراعاة ما يلي؛ في إطار استشراف مستقبل العراق، أو في محاولة المساهمة فيه على مستوى كان:
1- هناك حقيقة صلدة، لا يمكن تجاهلها بحال. وهي أن الفاعل الأقوى في الإشكالية العراقية هو الأمريكي. صحيح أنه ليس الفاعل الوحيد، ولكنه الفاعل الحاسم، ولا يمكن لأي حل أن يمارس نجاعته في الواقع، إلا من خلال الفاعلية الأمريكية. من يجهل هذه الحقيقة أو يتجاهلها، أو يراهن على التراخي الأمريكي، فهو الذي سيخسر في النهاية. أما الأمريكي فقد يتضرر، لكنه لن يخسر؛ مهما كانت صعوبة التحديات .
أمريكا جاءت لتنتصر. وخياراتها ليس من بينها الفشل، فهي إما أن تنتصر وإما أن تنتصر. ليس الفشل أو التراجع من بين الخيارات في السياسة الأمريكية في العراق. أما الهزيمة بالمعنى الحقيقي للهزيمة؛ فليست واردة بحال؛ حتى ولا في أحلام اليقظة الوردية لدراويش السلفية التقليدية، أو لدراويش الجوقة العروبية المجيدة. إمكانيات كل طرف من الأطراف المتنازعة، هي ما يجعل من الأمريكي عاملا حاسما دونما منازع.
إن التعامل مع هذه الحقيقة - بصرف النظر عن قبولها أو رفضها - هو بداية الانخراط في الطريق الصحيح. وعلى جميع الأطراف - دون استثناء - أن تدرك حسابات القوة بلغة الأرقام لا بلغة الأوهام. لقد ولى من غير رجعة؛ زمن الضحك على الذقون والشوارب بمعجزات الأولياء في جهاد الأفغان، تلك المعجزات التي لم يعد يصدقها أحد، ولم تعد تجد لها رواجا بعد أن شب عمرو عن الطوق، بل لا تجد من يرددها؛ حتى في المصحات العقلية، كما لم يصدق أحد منا بكرامة (منقاش) الذي اسقط الطائرة الأمريكية ببندقيته، وإنما غدت نموذجا للتندر بالنظام العراقي البائد، ومؤشرا يكشف عن المستوى المتدني من وعيه الخرافي .
2- من الجهل بالتاريخ وبالواقع؛ تحميل أمريكا وزر ما يجري في العراق من احتراب. الوضع المأساوي الذي نراه اليوم ليس نتيجة التدخل الأمريكي في الشأن العراقي، وإنما التدخل ذاته، كان نتيجة الوضع المأساوي إبان صدام. هذه الحقيقة التي أكدت عليها مرارا، تكاد تغيب - أو يتم تغييبها - عن وعي الجماهير؛ لأن الجماهير لا تقرأ إلا المباشر والراهن، ولا تمتد بوعيها إلى التاريخ القريب منذ عقود، عندما كان هذا الوضع يصنع بوعي إجرامي فريد، يد النظام البائد. التدخل الأمريكي لم يفعل سوى أن أعطى المأساة فرصة التعبير عن نفسها وقد كان .
الذي أريده من خلال تحديد: من هو المسؤول عما يجري في العراق من اقتتال، هو التأكيد سابقية المأساة على التدخل الأمريكي. تحميل أمريكا - دونما سند من الواقع - وزر ما يحدث؛ يجعل من الصعب على أي طرف من الأطراف المتنازعة، أن يتعامل - بإيجاب مع الأمريكي. وهذا ليس ضد مصلحة الأمريكي، فهي لا تهمنا؛ إلا من خلال عائدها الإيجابي على العراق، وإنما ضد مصلحة العراق بالدرجة الأولى.
3- المأساة في العراق اليوم، هي مأساة ذات وجه طائفي. ومع أنها كذلك؛ إلا أنها ليست بالضرورة قائمة على بعد عقائدي، بل إن كثيرا من المؤشرات تؤكد أنها سياسية من بدايتها على نهايتها؛ لأن التنوع الطائفي ليس وليد اليوم، وإنما الإحداثيات السياسية هي الطارئة، ومن ثم، هي التي تتحكم في مفاصل المأساة. صحيح أن الواجهة طائفية، وأن الممارسة السياسية تنهض على محددات طائفية واضحة. لكن، ليست الطائفية هنا هي الفاعلة، وإنما هي الموضوع للفعل السياسي النفعي المقيت .
من هنا نرى ضرورة القيام بحلحلة البعد العقائدي الطائفي لدى الأطراف جميعها. صحيح أن هذه المقدمة لا تكفي لوحدها، ولكنها ضرورية جدا؛ لكسر حدة التمايز الطائفي الذي يشتغل عليه السياسي براجماتيا. التشيع والتسنن، هما قطبا الأوتار التي يعزف السياسي عليها. وفي حال تحديد فاعليتهما العقائدية في إطارها الضيق، يمكن نزع فتيل النار المستعرة الآن، أو التخفيف من أوارها.
هذا يعني أن الفحص للأبعاد العقائدية في التشيع والتسنن الذي يغذي التصورات الذهنية لكل طرف عن الآخر، لا بد أن يقوم به عقائديون، وأن يقوموا به في هذه الفترة بالذات. في رأيي أن نقطة الانطلاق يمكن أن تبدأ من مقولة المفكر الإيراني الكبير: علي شريعتي - رحمه الله - التي يحدد فيها أن البداية في هذا المضمار، إنما تكون بإسقاط الطابع الأموي عن الإسلام السني، ونزع الإسقاطات الصفوية عن الإسلام الشيعي؛ لأن التسنن الأموي والتشيع الصفوي شبيهان. (1)
الشبه بين التسنن الأموي والتشيع الصفوي الذي يؤكد عليه: علي شريعتي، ليس شبها في المحتوى الإيديولوجي، وإنما هو شبه في البنية والوظيفة. فكلاهما مجاف لسماحة الإسلام، وذو علاقة مرضية غير سوية مع الآل والصحب، وكلاهما يعتمد نفي الآخر، وتحميله عبء تاريخ لم يكن طرفا فيه. لم يستطع أهل السنة - بعد - أن ينفوا الأموية التي شوهت وجه الإسلام، وطمست معالمه، خارج دائرة التسنن، كما أن الشيعة لم يقوموا - بعد - بمراجعة جادة لأثر الفعاليات السياسية الصفوية على رؤية الشيعة التاريخية، وعلى ما أنجز - آنذاك - من تراث عقائدي. وهذا ما يريده: علي شريعتي - رحمه الله - في مطالبته بتشيع علوي بلاصفوية، وبتسنن سني بلا أموية .
لا يمكن إرساء أسس المجتمع الواحد، وقطع الطريق على التوظيف السياسي للعقائد؛ ما لم يتم تحقيق مصالحة في إطار العقائد ذاتها، لا من خلال كونها عقائد متباينة، وإنما من خلال كونها عقيدة واحدة، تلبستها تصورات خارجة عنه. ولو أنها عقائد متباينة؛ لتم التسليم لكل بعقيدته. ولكنه خلاف واشتباك في المحور الواحد المتفق عليه، فكان من الضروري تخفيف حدة الخلاف، ولو إلى درجة متواضعة، تسمح بالتعايش السلمي .
4- لا يمكن أن تقوم الحكومة العراقية التي تحتضن الكل العراقي على أبعاد عقائدية. مدنية الدولة العراقية الحديثة ضرورة من ضرورات التنوع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهو ضرورة لتخفيف حدة العقائدي لدى جميع الأطراف؛ لأن التأكيد على الأبعاد العقائدية، لا بد أن يؤدي إلى وضع السؤال العقائدي في كل طريق، ومن ثم، فالخلاف سيكون في كل طريق أيضا .
هذا لا يعني التنازل عن هوية العراق الإسلامية، ولا ارتباط القانون بمحددات شرعية يتفق عليها السنة والشيعة، كنقاط اتفاق، تعزز التلاحم المدني. التشريعي غير العقائدي، من حيث المبدأ ومن حيث المآل. فالعقائدي يقود إلى الاحتراب من قبل الطرف الآخر غير الخاضع لكافة أبعاده، ولهذا - بطبيعة الحال - رد فعل من العقائدي في حركة جدلية لا تنتهي. أما التشريعي، فالخلاف فيه - فيما لو تم وضع الخلافي تشريعا - لا يؤدي إلى حرج شديد، أي حرج حاسم؛ يخرج به إلى مساقات التكفير والتضليل .
الحالة الطوائفية المتشرذمة، هي على الضد من الرؤية المدنية، وهي مناقضة - بالضرورة - لصناعة المجتمع المدني، حيث السلم الاجتماعي في مقدمة الأولويات. الطوائفية والعشائرية والمناطقية، هي من سمات المجتمعات البربرية والبدائية المتخلفة، كما يقرر ذلك علماء الاجتماع. وهذا يعني أنها بلا قوانين تحكمها، وبلا قيم تؤطر نتوءات المنحى السلوكي لأفراد المجتمع الواحد، أي بلا وحدة؛ تمنحها صفة: مجتمع. وكما يقول برهان غليون: فال"المجتمع المتمدن يستمد قوته من وجود مقاييس، أي قيم اجتماعية وقواعد وأعراف راسخة ومشتركة يؤمن بها ويدافع عنها ويتعلق بها ويجعلها معياراً لسلوكه وتفكيره. (2).
هذا المشترك الضروري المؤسس للمجتمع المدني، من قيم وقوانين، هو ما يكاد يغيب عن عراق اليوم، ويحضر بدلا منه عراق الطوائف، عراق العقائد المتناحرة، أو العقائد التي جعلها السياسي مُدىً ينحر بها شعب العراق البائس. بوضوح؛ لايمكن التأسيس لمدنية حقيقية؛ دون اتفاق على أساس مدني، يجعل تفاصيل العقائدي ذات البعد الطائفي، لا تتجاوز الشخصي، دون أن تتماس - بأي شكل - مع الشأن العام .
5- لا بد من التأكيد - من جميع الأطراف - على أن المليشيات التي تقع خارج الإطار القانوني للدولة العراقية، هي عصابات إجرامية؛ حتى وإن لم تمارس الإجرام واقعيا. مجرد وجود هذه المليشيات في الجغرافيا العراقية، يشكل تحديا خطيرا للحكومة الناشئة حديثا. الإدانة لهذه العصابات، لا بد أن تأتي أولى من محيطها الطائفي الخاص الذي تنتمي إليه العصابة؛ لتكتسب الإدانة مشروعيتها. أما هذا التراخي من قبل كل فريق، وتردده في إدانة العصابات التي تنتمي إليه طائفيا، مباركة ضمنية لهذا الاحتراب الطائفي، بل ومشاركة - غير مباشرة - فيه .
لكن، لا يمكن أن تتم إدانة هذه المليشيات التي تزاحم الحكومة في وظائفها، وتعيقها عن ضبط مؤسسات الدولة، إلا في إطار إدانة صريحة وشاملة لما يسمى بالمقاومة العراقية، إذ لا مشروعية - في سياق وجود الحكومة العراقية المنتخبة - لأية مقاومة أو دعوى مقاومة. وجود ما يسمى بالمقاومة (الإرهاب) يمنح - تلقائيا - المليشيات الطائفية مشروعية وجود. ومن هنا تأتي ضرورة تفكيك الجميع؛ دون استثناء من أي نوع، وتحت أي مبررات يمكن أن تراهن عليها تلك العصابات التي تتمسح بالدين زورا وبهتانا .
6- هناك من يروج لحالة من اليأس، تدعي أن العراق خلق هكذا، أي بطبيعة دموية، تستعصي على انضباط المدني. وهؤلاء يريدون - بوعي أو من غير وعي - أن يؤكدوا على أن جينات الفرد العراقي تحمل نوازع التمرد والعنف. أي إعطاء ما حدث ويحدث طابعا قدريا، بحيث لا يمكن الإفلات منه. أي أنه ليس ثقافيا يمكن التحكم فيه، والعمل على تحويله، وإنما وجد على هذا النحو. وفي هذا إلغاء للفاعلية الإنسانية، في مقابل القدر الجيني الحتمي الذي يتحكم بمصير الإنسان منذ بدء تخلّقه. ومن ثم، ليس أمام الإنسان العراقي إلا الاستسلام لطبيعة العنف التي - حسب هذه الرؤية المغلوطة - لا يمكن تغييرها.
هذا الوهم الذي يتردد كثيرا، هو ما نقضه الأنثروبولوجيون إلى حد كبير، في مقابل تعزيزهم للأثر الثقافي. يقول لويجي سفورزا، في تأكيده على ضمور الأثر الوراثي، في مقابل العوامل الأخرى: "قبل ألف سنة فقط كان جنوب اسكندنافيا مسكونا بجنس من البحارة المتميزين المستعمرين الذين كانوا أيضا محاربين شرسين وأشداء معروفين باسم الفايكنج. لقد احتلوا اسكتلندا، ايرلندا، نورماندي وأيسلندا وبلغوا أمريكا وجرينلاند بل ضربوا في أعماق منطقة البحر الأبيض المتوسط. هذه صورة تختلف جذريا عن حياة أحفادهم سكان اسكندنافيا اليوم وهم قوم معتدلون مسالمون بل هم أكثر الأوروبيين حماساً في عدائهم للحرب … إن التطور الثقافي يبدو لي أكثر جاذبية لتفسير هذا التحول" ( 3).
إن هذا المنحى الإيجابي/ الإنساني، الذي يعزز من أثر البعد الثقافي، يعني أن عراقي اليوم الذي يكاد يحترق بلهيب الافتراق والاقتتال، ليس محكوما بجيناته قدرا، وإنما بثقافته التي يصنعها وتصنعه، ويغير منها بقدر ما تغير منه. وبهذا يمكن أن نراه في المستقبل اسكندنافيا؛ يشرق علينا بروح التسامح والإخاء .
هوامش
1- التغرُّب في الثقافة الإيرانية الحديثة. غسان طعّان. ص123
2- اغتيال العقل. برهان غليون. ص 130
3- الإنسان في الشتات. لويجي لوكا كافللي سفورزا. ص242
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























فبراير 4th, 2007 at 4 فبراير 2007 8:22 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
يا اخي امريكا التي جاءت للعراق وهي تعرف تماما ما سيحدث فيه منذ لحظة اطلاق اول طائرة عسكرية للهجوم على العراق والى لحظة انسحاب آخر جندي من العراق لانها وضعت الفليم بالكامل.. اما هل تنتصر او تنتصر هذا سؤال اسمح لي مضحك جدا لان امريكا منتصرة وانتصارا لم تعرف انه سيكون كبير بهذا الشكل احسب كم من الابرياء قتلوا في العراق ومن المسلمين؟؟ تعرف انها تنتصر كل يوم انتصارا مبهرا ودون عناء وسبب نصرها الرئيسي هم الجهلة لعنهم الله في الدنيا قبل الآخرة (وبشر القاتل بالقتل)
فبراير 13th, 2007 at 13 فبراير 2007 6:15 م
ااكد على كلامك يا أخيبان قتلى العراقيين تجاوزوا نصف المليون وما تعدى الامريكان ثلاث آلاف