التكفير المبطن.. أم البراءة مما في كتب الأولين
كتبها الشورى ، في 27 فبراير 2007 الساعة: 12:35 م
«حوار الطرشان»، ربما تكون أفضل تسمية مهذبة تصف التراشقات المذهبية فوق موائد الحوارات التي لم تستطع حتى اليوم أن تنتج حلا أو أن تثمر وحدة حقيقية بين المسلمين، وليس معنى هذا أننا يجب أن نقف ضد تلك الحوارات المذهبية، وإنما يجب أن نقف مع كافة أشكال الحوار البناء، لكن يجب من جهة أخرى أن نقف بوضوح ضد تلك الحوارات التي تهدف للاستفزاز والإسقاط، وشتان بين الحوار البناء والإسقاط، وإن أكثر ما يقدمه لنا تراثنا وثقافتنا وإعلامنا المؤدلج هو بجدارة «تكفير» و«إسقاط»، أو بعبارة مهذبة أخرى قد تلاءم واقع العصر «حوار طرشان» إن صح التعبير.
إن من الواضح لعقلاء اليوم أننا بحاجة لحوار بناء لتجاوز حالات التكفير والعداء، لكننا بالتأكيد لسنا بحاجة لمزيد من ثقافة الإسقاط التي ينتجها البعض باستمرار باسم النقاشات المذهبية، ولقد دأب بعض المسلمين عبر التاريخ على تكفير بعضهم البعض، وتبادل السباب والشتم والتهم والتصديق على الشائعات المضللة - حتى أبين الخزعبلات منها - ولازال ذلك مستمرا حتى اليوم، كل ذلك نكاية بالأخر وإسقاطا له وانتقاصا من قدره، فخرب أولئك بذلك كيان الأمة وحولوا جسدها إلى أشلاء تقتات عليها النسور والذئاب الضارية، وليس خاف على أحد حجم المخلفات الثقافية المذهبية التي ورثتها المذاهب الإسلامية جمعاء كي نحتاج لبرهان يثبت بطلان طهارة كتب التراث من سموم التكفير والإسقاط، بل والأسوأ من تلك المخلفات أننا لازلنا واقعا نعيش اليوم كثيرا من اجترارات ذلك الماضي التي سمحنا لها بالتوالد في حاضرنا باستمرار عبر بعض الكتابات الدينية المتشنجة المعاصرة.
التكفير المبطن:
البعض منا سنة وشيعة حاضرا أكتسب شيء من المهارة الحياتية المبتورة عن الوعي، فتراه يبرأ من تهمة التكفير ظاهرا، لكنه يلجأ لتحوير الكلام وطي الأحاديث بغية التهرب من سبة التكفير أو خشية الضغوط الخارجية أو المحيطة، لكنه يبقي التكفير مبطنا في ثنايا الكلام، أما البعض الآخر فلا زال يعزف على الوتر القديم الذي لن ينقطع إلا بعد أن يهتريء تماما، وذلك البعض لن تراه يلجأ للتدليس، لأنه يجاهر بالتكفير ويعتبر التورية خيانة للدين والمعتقد، بينما يعتبر تكفير الآخرين وإباحة دمائهم عقيدة وإيمان وحرية اعتقاد يتقرب بها إلى الله، كل ذلك وهو يرى شعوب العالم اليوم حوله تؤمن أن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين، أي عندما تنتقص حرية الفرد حرية فرد آخر، أي بتعديه على دماء وأعراض ومال وكرامة الآخرين أو جزء منها، وهو يقرأ أيضا باستمرار التوجيهات النبوية الإنسانية السامية، لكن انحراف الفكرة لدى البعض، أدى لتضييع العقل وتحريف النصوص المؤسسة.
نبذ التكفير وتنقية التراث:
هنا نأتي لضرورة إقناع بعض رجال الدين المخضرمين في الجدل المذهبي العقيم وفي التراث الديني المثقل بالأزمات التي يجترونها باستمرار، بضرورة نفض التراث وإزالة الغبار عن تلك الأفكار المريضة التي يروجونها في الأوساط الشعبية باستمرار وضرورة الركون الى العقل والاستفادة من منتجات العصر وأدواته المعرفية الحديثة بغية الوصول لقراءة واعية للنصوص الدينية المؤسسة تنتشلها من بعض المساوئ التي ألحقتها بها أدوات القرون الأولى، وهم يعلمون أن آلة الأولين لم تكن وحيا منزلا منزها عن الزلات، وأن حجم الضرر الذي لحق بالمسلمين جراء القراءات الدينية الخاطئة الموروثة وجراء الاتجاه التكفيري الذي لازال البعض منهم يفرزه لجمهوره باستمرار ويعيد إحياءه من جديد قد أثقل كاهل الأمة، لذا فإن الواجب والمسؤولية الدينية والمنطقية والوطنية تحتم على جميع أبناء الأمة المسلمة البراءة المطلقة من منهج التكفير الذي أحرق حاضر الأمة وماضيها، كما تحتم أن يعي الجميع أن التكفير المبطن أيضا ليس أقل خطرا على الأمة من التكفير المعلن، وأن التكفير المبطن إنما هو في الحقيقة نفاق عصري وخطر خفي، لكن من هو مثلي من البسطاء يعي أنه ليس بمقدوره فعلا إقناع بعض جهابذة المدارس الدينية الإسلامية المعاصرة أن الإسلام بريء مما يقولون أو يفتون، فتلك عقيدة رجال دين - عمت بخيرها كل المذاهب - وهم يستنبطونها لنا من كتاب الله الكريم وأحاديث رسوله المصطفى الأمين
، فهم متخصصون يفقهون باسم الله وباسم رسوله
في كل شيء يصلح هذه الأمة وهذه الحياة من أعقد تعقيدات السياسة إلى أبسط عادات غرفة الحمام، وما يقولونه حجة على العباد المتخصصين منهم والعوام خصوصا من هم أمثالي من العوام - الذين لا يفقهون شيء من أقوال وفتاوى أولئك الفقهاء -، والذين يترتب عليهم التسليم والطاعة لكل ما يقال حتى وإن بدا للجميع خلاف مضامين القرآن الكريم أو خلاف السنة المطهرة للرسول محمد
، إنني أجد نفسي مجبرا هنا أن أقر أنني أجهل كثيرا من علوم هذه الدنيا وهذه الأرض الصغيرة فكيف لي أن أناقش كبار الفقهاء السنة والشيعة في أمر السماء الذي اختصهم الله (سبحانه وهو المنزه عما يقول الجاهلون) بعلمه، وفي أمر هم أعلم به من جميع المتخصصين والعلماء والمثقفين.
بالتأكيد لن يحلوا للبعض من المسلمين اليوم القول أن على المسلمين جميعا الوقوف وقفة صراحة مع الذات بغية تنقية العقائد والموروثات الدينية والمذهبية من التكفير ومن كل التحريفات التي ألصقت بالدين والدين منها براء، لكن رغم ذلك فإن من الواجب علينا أن نقول لجميع رجال الدين والمثقفين الواعين وللمسلمين عموما أن التكفير المبطن لن يورث الأمة خيرا ولن يحفظ لها إلا الشتات والتمزق وإن على المخلصين بدلا من لي أعناق الكلام وتبطين التكفير وتدليس الحديث والعمل بالتورية والكذب على الآخرين حفاظا على ثقافة الماضي الذي جربناه طويلا وعشنا وويلاته عبر القرون، عليهم بدلا من ذلك كله أن يعوا واقع اللغة الركيكة التي استخدمها الأولون لنقل حقائق الدين وأن يعوا أن لغة الأجداد لم تكن إلا كإناء مثقوب لم يستطع أن يوصل لنا حقائق الإسلام كما هي، وتلك هي اللغة التي يجب التوقف عندها مليا لفهم واقعها جيدا للخروج من مأزق الموروث، وإن من الواجب أن يعترف الجميع بوضوح وإيمان أن ما ورثناه من تكفير في كتب التراث خطأ يجب تجاوزه، وأن ما يفتي به البعض منا سنة وشيعة اليوم من تكفير أتباع المذاهب الأخرى خطأ يجب تصحيحه، وأن التكفير المبطن ليس علاجا للتكفير البواح، لأن الكذب لا يرقى لمرتبة الحقيقة، وأن التكفير موجود حقيقة في موروث الجميع مهما اختلفت النسب، ولن تجدي الأكاذيب والتبريرات في إصلاح الواقع المريض.
الوريث الشرعي للتكفير:
إن التكفير المبطن هو الوريث الشرعي بجدارة للتكفير المعلن، وهو أسوء منه بكثير خصوصا في هذه المرحلة من التاريخ، لأن التكفير المعلن يمكن محاربته وكشفه بسهولة ومسارات العصر توحي أنه ليس مؤهل للبقاء طويلا بعد الآن، لكن التكفير المبطن كفيل بإطالة عمر التكفير وإبقاء مكامن مظلمة في جسد الأمة تعشش فيها الفتنة التي تقتات عليها بعض القوى السياسية والاستعمارية في هذا العالم.
الطائفية والاستعمار:
لا شك أن الطائفية البغيضة والتناحر الديني الطائفي هي وجه من وجوه سياسات الاستعمار، لكن الحقيقة تقول أن الطائفية لا تولد في الفراغ، وأن البذور لا تزرع في الهواء، وأن المشكلة الأساس في المجتمع الديني هي الثقافة الدينية المغلوطة، وأن أنفسنا المشبعة بالإيمان «المزيف» هي الأرض الممهدة لتلك المظاهر المقيتة الممهدة للاستعمار، فالسياسة والإيمان هنا يتبادلان الأدوار كأحجار ورقعة الشطرنج، فبدون رقعة الشطرنج لا يمكن أن تتحرك الأحجار وبدون أحجار لا تجري تغيرات فوق رقعة الشطرنج، ونحن في المجتمعات الدينية الإسلامية التي أثبتت بجدارة أنها أكثر ولاء للدين من السياسة، قد أصبحنا كرقعة الشطرنج المعدة للعبة السياسة، فمهدنا بثقافتنا الدينية المغلوطة الأرضية لغزو الأعداء من صناع الاستبداد إلى صناع الاستعمار.
عقلاء المسلمين وفرز الفرز:
إن المهم اليوم أن الطائفية والتكفير غدت من وجوه واقعنا المعاش، فكل منا يفخر بتكفير الأخر ويعلي نفسه بالأسماء الطائفية المتشنجة، هذا على الأقل في بعض مجتمعاتنا الإسلامية لأن لا نقوم بتضخيم الأحداث فيستفيد منها المتشنجون لإخراج رؤوسهم من التراب، لكن الغريب أن المشهد الاجتماعي يبدوا خاليا من العقلاء، أو يبرز العقلاء كأفراد معدودين ونزر يسير تناثروا فوق أرض الطائفية الجرداء فضاعت معالمهم وتبخروا في الهواء وهذا خلاف الواقع، والسؤال الملح هنا: لماذا إذا لم يتم فرز العقلاء في مذاهبنا الإسلامية عن بقية الغثاء تمهيدا لرفع راية الإخاء والوحدة الإسلامية الحقيقية؟؟؟
لقد وقفت ها هنا أسائل نفسي ذات مرة، لماذا لم يعمل العقلاء من أبناء مختلف المذاهب الإسلامية، الذين نشاهدهم باستمرار عبر شاشات التلفزة ونقرأ لهم في الصحف والمجلات ونعاشرهم في بعض المنتديات الثقافية وفي ميدان العمل أيضا، معا، من أجل عزل التكفيريين؟، ولماذا لم نؤسس على المستوى الشعبي لوثيقة إخاء، بل وثائق مؤاخاة، شبيهة بوثيقة مكة لكن على المستوى الشعبي، تجمع العقلاء من أبناء المسلمين الرافضين للتكفير والعنف والاحتراب، تحت راية وثيقة إخاء أو إعلان تضامن معلن وصريح ضد التكفير والإقصاء، يكون له مؤسساته المدنية التي تفصح عن نفسها وتعلن عن توجهاتها عبر مواقع على الإنترنت أو ضمن أندية اجتماعية أو مؤسسات مدنية أو عبر فضائيات معتدلة - يرعاها ويديرها علماء واعون من السنة والشيعة معا -، تلملم الأشلاء وتسعى لاستئصال الخلاف والشقاق؟.
وأتصور أننا هنا لسنا بحاجة لجواب مكتوب بقدر ما نحن بحاجة إلى فعل وحراك واقعي لن يتحقق فوق أرض الواقع إلا بتظافر جهود الواعين والإصلاحيين.
أعدى أعداء تنقية التراث:
إن التكفير والتكفير المبطن هما العدو الأول لتنقية الثقافة الدينية والتراث، وإن العلاقة بين التكفير من جهة والمراجعة التصحيحية الضرورية لخلاص الأمة المسلمة من مأزقها الذي تعيش فيه، هي علاقة عكسية، فكلما زادت وطأة التكفير كلما تضاءلت قدرة الإصلاحيين على التصحيح والعكس بالعكس، والنتيجة واضحة فإما تكفير يكرس فهما بشريا ثبت عبر القرون أنه عرضة للأخطاء المدمرة، أو تسامحا وسعة ونقد بناء ينموا في رحابة الإسلام وينسجم معها ليخلص الأمة من مآزقها المستمرة ويطلق طاقات البناء المختزنة فيها والتي استهلكت كثيرا في الحروب الدينية والمذهبية المزيفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























