أفتى يفتي فهو.. مفتٍ
كتبها الشورى ، في 27 يوليو 2007 الساعة: 17:44 م
د. رفعت السعيد
GMT 22:00:00 2007 الجمعة 27 يوليو
الاهرام المصرية
الإفتاء هو إبداء الرأي في مسألة. والافتاء في أمور الدين هو الأكثر حرجا وصعوبة. ذلك أن المسلم عندما يطلب الفتوي فهو يعبر عن عدم تيقنه في مدي مشروعية فعل ما أو موقف ما. وهو في أحيان كثيرة يسعي بذلك إلي رفع الحرج والمسئولية عن نفسه فيضع المسئولية في عنق من أفتي.
والأمر صعب لعديد من الأمور. أولها أن القرآن الكريم إذ أتي بأحكام العبادات مفصلة ومحددة, ومحددا فيها ما هو حرام وما هو حلال, فقد إكتفي بإشارات عامة وموجزة إذا تعلق الأمر بأمور المجتمع والمعاملات وتطور الحياة.
ومن هنا كان القول الفقهي ما يتناهي لا يضبط ما لا يتناهي أي أن أمور الحياة والعلم والمكتشفات ومستجدات الأمور العملية واليومية وهي, محل تغير كل يوم وربما كل ساعة لم تضبط بنصوص قطعية بل تركت لاجتهادات البشر. ومن ثم فإن علي المفتي أن يستفتي عقله أولا هذا إن وجد أن استخدام العقل أجدي من النقل عن فتاوي قديمة وضعت لزمان مختلف وظروف اجتماعية مختلفة.
وإذا كان الخليفة المتوكل والمحيطون به من مدعي الفقه قد قالوا ان ما يبدعه العقل هو ابتداع, والابتداع بدعة, والبدعة ضلالة, والضلالة في النار( د. جابر عصفور ـ قراءة في ابن المعتز), فإن أكثر الفقهاء والمفتين قد اعتمدوا العقل والمصلحة العامة معيارا لصحة الافتاء وفي هذا يقول الإمام نجم الدين الطوفي حيث تتحقق مصلحة الناس فثمة شرع الله( دائرة المعارف الاسلامية ـ الشارقة ـ جزء30) ومن ثم فإن علي المفتي ألا يكتفي بنقل بعض مما قرأ في هذا الكتاب أو ذاك وإنما عليه أن يعمل العقل والمصلحة قبل أن يصدر فتواه.
والحقيقة أنه ومنذ ما بعد وفاة الرسول( صلي الله عليه وسلم) بدأت تتأكد ملامح مدرستين في الافتاء الأولي تقوم علي فقه الأثر أي النقل عن السابقين والاكتفاء بالنقل دون إعمال للعقل واخري أسميت فقه الرأي, ويعلق د. محمود حمدي زقزوق علي إضفاء القداسة علي أقوال بعض الفقهاء القدامي قائلا إن ذلك:يعتبر خروجا علي الدين نفسه, وتمسك هؤلاء بإغلاق باب الاجتهاد ومنع رحمة الله الواسعة في التيسير علي العباد( د. محمود حمدي زقزوق ـ مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورات التجديد ـ ص21).
ولقد نهانا كبار الفقهاء ـ أقصد الفقهاء الحقيقيين ـ حتي عن تقليدهم هم.
فالإمام أبو حنيفة قال لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري وتعلم كما تعلمنا أما الإمام مالك فقال كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد الا صاحب هذا القبر وأشار إلي قبر الرسول( صلي الله عليه وسلم) ونعلم كيف قام الإمام الشافعي بتغيير كثير من معطيات مذهبه فور وصوله إلي مصر. فالمكان تغير والظروف الاجتماعية والثقافية تغيرت ومن ثم تغير الفقه وتغيرت الفتوي
ويؤكد ذلك أيضا الإمام ابن القيم فيقول من أفتي الناس بمجرد النقل من الكتب علي اختلاف أعرافهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل, وكانت جنايته علي الدين( الإمام ابن القيم ـ أعلام الموقعين ـ جزء3 ـ ص78) والفتاوي قد تأتي متناقضة لأنها في أول الأمر وآخره تعبير عن الرأي الشخصي للمفتي. فالخوارج أفتوا بتكفير علي بن أبي طالب لخلافهم معه في قضية التحكيم. أما علي فقد أفتي لأصحابه بأن يصلوا خلف الخوارج قائلا:لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه, كمن طلب الباطل فأدركه( إبن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة ـ ص74).
والافتاء لايتغير بحسب الزمان والمكان والحضارة فقط بل قد يتغير بحسب شخص طالب الفتوي, ولقد يتخذ منحي تربويا صرفا, يروي الشوكاني في كتابهالقول المفيد في الاجتهاد والتقليد أن رجلا جاء إلي الرسول صارخا ومفزوعا وهو يصيح أغثني يا رسول الله فقد هلكت, فسأله الرسول: ما أهلكك؟ فقال الرجل: لقد واقعت امرأتي في نهار رمضان, فسأله الرسول: هل تجد ما تعتق به رقبة؟ فأجاب الرجل لا, فسأله الرسول: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال الرجل: لا, فسأله الرسول: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا؟ فأجاب: من أين وأنا فقير. فأجلسه الرسول وأحضر له كيسا به تمر وقال له: تصدق بهذا. فقال: أتصدق وأهل بيتي في حاجة إليه, فضحك عليه الصلاة والسلام قائلا: إذهب وأطعمه أهلك.
هذا هو منهج الرسول في الفتوي فما بال المفتين في أيامنا هذه يسعون إلي التشدد والغلظة. وما بالهم ينفون العقل في فتاواهم, وكأن فتاوي الفقهاء القدامي مقدسة وواجبة الاتباع, وما بالهم يضعون المسلم في حرج مع الواقع ومع العلم ومع العقل. بل ويخوضون به في مواقع لا حاجة بها للإنسان, بل هي مجرد تنطع فكري. من نوع ما ذكره الإمام القرافي إذ قال: ذهب جماعة في موسم الحج إلي عبدالله بن عمر سائلين ما حكم قتل حشرة الفراش( البق) في الأشهر الحرم؟ فتأمل عبدالله قليلا ثم سألهم: من أي البلاد أنتم؟ فقالوا من الكوفة. فانتفض واقفا وصارخا: لعنكم الله أتقتلون الحسين وتسألون عن حشرة الفراش ؟
والإمام الشافعي يحذر وبشدة من الافتاء حسب الهوي. فقد يكون هوي المفتي مع مسألة معينة فيظل يبحث وينقب حتي يجد رأيا يتفق مع هواه وإن كان يناقض عديدا من الآراء الأخري الأكثر صحة ليختاره ويتمسك به. وإلي مثل هذا المفتي يقول الشافعي.
إذا احتار أمرك في معنيين
ولم تر أين الخطأ والصواب
فخالف هواك. فإن الهوي
يقود النفوس إلي ما يعاب
وإذ يتحول الافتاء إلي مهنة, أو إلي مجرد النقل عن القدامي, فإن الأمور تتحول إلي فتاوي مهلكة ولا أقول مضحكة فهي تضحك علينا الآخرين وتقدم الإسلام لهم في صورة أكتفي بأن أقول تعففا إنها غير مقبولة. فثمة مفتون أخطأوا التعامل مع الزمان فانتسبوا بفكرهم ورأيهم إلي آراء قديمة قد تكون صالحة للماضي لكنها تفسد علينا زماننا الحاضر, وأنا أسأل ضمائر هؤلاء الذين ينقلون فتاوي عن واقع غير واقعنا أسألهم عن وقع فتاوي مثلزني المحارم وإرضاع الكبير وشرب بول الرسول علي هؤلاء البشر المتناثرين في كل العالم يجهدون عقولهم في صراع التقدم والتطور وتكريس العلم لخدمة البشر والذين تخطوا مثل هذه الترهات ليواصلوا طريقهم نحو بناء مستقبل أفضل عبر استخدام العقل والعلم.
إنها فتاوي مهلكة. وهي مهلكة مرتين: الأولي لأنها تزرع في أعماق المسلمين وهما بأن هذا العالم ليس عالمنا, وأننا غرباء فيه, فعلمه ليس علمنا, وعقله ليس عقلنا,وحضارته ليست حضارتنا, واهتماماته ليست اهتماماتنا, وبعدها يكون من السهل تكريس الاغتراب عن هذا العالم وهذه الحضارة ومن ثم الارتماء في أحضان من يسعون لتدميرها. أما الثانية فهي أنها تضع المسلم بين خيارين كلاهما مرير فإما أن نخسر ديننا أو نخسر حاضرنا ومستقبلنا. وينسي أصحاب هذه الفتاوي المهلكة أن الإسلام أنزل للعالمين كافة, وأنه دين لكل زمان, فكيف وبمثل هذه الفتاوي نسعي إلي الغير بإسلامنا؟
وليس معني هذا أننا نطلب إلي أهل الفتوي أن يتجاوزوا الماضي بأكمله, وأن يرفضوا كل الفتاوي القديمة, وإنما نريدهم أن يتعاملوا بالعقل والفهم الصحيح مع كتب الفقه القديمة فيأخذوا منها ما هو مفيد ويطرحوا ما لا يتلاءم مع العصر ولا مع المستقبل, فالفقه من أوله إلي آخره اجتهاد بشري يقع عليه الخطأ كما يقع الصواب, والأئمة الأوائل مجتهدون, موقرون لكنهم ليسوا معصومين, وقد افتوا علي قدر علمهم وعلي قدر تطور وحاجة مجتمعهم وما كان في هذا المجتمع من تطور علمي وأوضاع مجتمعية. وهكذا نعود لنؤكد أن الشريعة الغراء ثابتة, والفقه متغير, متجدد.. بل هو دائم التجدد مع الزمان والمكان ومصالح البشر.
وأختتم بحديث شريف يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كتداعي الأكلة علي القصعة. قالوا: أو من قلة نحن يا رسول الله؟ فقال: أنتم كثير, ولكنكم غثاء كغثاء السيل لا يبالي الله بكم؟
ويبقي أن نقول لمن يتصدون للافتاء: من أجل خير دينكم ودنياكم كرسوا فقهكم وفتاواكم لما هو مفيد, وما يدفع الإنسان لاستخدام عقله, ويتطلع بالوطن إلي التقدم والمستقبل واللحاق بركب العلم والحضارة, حتي لا نصبح غثاء كغثاء السيل لا يأبه بنا أحد. وساعتها ستتحملون وزر ذلك زمامه تعالي وأمام الشعب والوطن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























