الصراع بين المثقفين ورجال الدين ضرورة ملحة
كتبها الشورى ، في 30 أغسطس 2007 الساعة: 10:24 ص
OpenWin(’comments.php?id=17968′, ‘prnArt’, ‘400′, ‘480′, ‘no’);”>

إن الصراع بين المثقفين[1] ورجال الدين أمر لا يمكن التغاضي عنه، أو الفرار منه. وخصوصا أنه بدأ يتضح بشكل جلي في السنوات الأخيرة، كما أن حدته في تزايد بشكل خطر ومخيف. ومكمن الخطورة هو أن تسقط ثقة الناس من رجال الدين بشكل كامل، مع أنه من المفترض أن يكونوا صمام أمان للمثقفين ولعامة الناس. وكونهم صمام أمان فلأن وظيفتهم الحقيقية هي تعليم الناس أمور دينهم وإنذارهم كما قال الباري جل شأنه: ﴿ لَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾«التوبة122».
من وجهة نظري الشخصية، أعتقد أن الصراع الفكري والقيمي بين المثقفين والمشايخ هو أمر «صحي جدا» إذا استطعنا أن نقننه ونضبط خطوطه لكيلا ينحرف عن مساره الوظيفي[2] فيكون صراعا مبتذلا خطورته أقرب من فائدته. وضرورة وجود هذا الصراع لعدة أسباب -في نظري - وجيهة جدا، وأهمها هو أن المجتمعات لا يمكنها أن ترتقي سلم التقدم ما دامت تفتقد إلى الحرية، وإلى الوعي والبصيرة الحادة، وبدورهما يساعدان على اكتشاف العقبات والنظر لها بشكل جدي إذا وجدتْ.
ومن الأمور المسلم بها أن المثقفين وظيفتهم الرئيسة هي تشخيص المشاكل بشكل واضح ونقدها وإيجاد الحلول الناجعة والعمل على تفعيلها، إما بشكل فردي أو مع بعض المشايخ والمثقفين. وإذا نظرنا إلى وظيفة المثقف والشيخ بهذا الاعتبار سنجد أنه من المفترض أن يكون المثقف هو الذراع الأيمن للشيخ؛ لأن كلا الوظيفتين تصبُّ بشكل واضح ومكثف في أمر إصلاح المجتمع، ومساعدته في الارتقاء إلى الأفضل.
ولأن كثيرا من المشايخ انحرفوا عن وظيفتهم[3] ، وفقدوا أدوارهم بشكل واضح مؤخرا، واقتصر شغلهم في الإرشاد والوعظ الديني الغير جاد[4] في المناسبات الدينية كالأيام العشرة من محرم وبقية الوفيات. ولأن الكثير منهم اعتبروا المشيخة وظيفة للكسب المادي، وصاروا في الواقع منشغلين بالدنيا -وربما هم معذورون «بقدر معين» لكون الحياة صارت صعبة تتطلب من الرجل البحث عما يبعده عن الفقر-. ولأن الكثير منهم بهذه الصورة تفشى في الناس الفجور والاستهتار بالدين والدنيا أيضا، وكل ذلك جاء كنتيجة طبيعية لتسيد ثقافة غير صالحة. فاستيقظ المثقف من نومه الطويل بصورة المندهش وبحالة هستيرية صار ينتقد المشايخ نقدا لاذعا لكونهم أهملوا المجتمع وحيدا دون مرشد يدله على ما يصلحه. وإن وجد من يعمل على التوعية مارس أعمالا غير صحيحة[5] ، إلا ما رحم ربي.
وقد يتضح كلامي جيدا إذا ما عملنا مقارنة بسيطة بين حالة مجتمعنا المحافظ قبل عشرين سنة وبين هذه الأيام. ومن يدرس الحالة في هذين الزمنين، فلن يجد ما يربطه بينهما سوى بعض الأمور السطحية والشكلية . وأنا أعني بتلك الجملتين أن مجتمعنا انسلخ عن هويته الثقافية والقيمية كما ينسلخ الريش من الطير!! وأعتقد أن السبب هو عدم وجود الأعمال التوعوية والثقافية التجديدية بصورة كافية وملائمة؛ لأن مشايخنا بشكل عام انشغلوا بدنياهم على حساب إصلاح المجتمع، فأهملوه في بحر تتلاطم أمواجه الطالحة بكل ما أوتيت من قوة، وكنتيجة لهذه اللامبالاة، لم يجد مجتمعنا ثقافة جديدة من إنتاجه فأخذها من الغرب. ولم يجد من يصحح له مفاهيمه ويجددها، أو يقوم بتقويم أو تفنيد المفاهيم الغير سوية المستوردة من الغير.
ولأن أفراد المجتمع بشكل عام تنقصهم الرؤية النقدية الفاحصة- نتيجة عدم تدريبهم على ذلك فلا الأسرة دربتهم ولم يفعل ذلك المجتمع ولا المدرسة أيضا. ولأن الوصاية أيضا كانت مستشرية قديما بشكل متوحش وتبعاتها لا تزال موجودة إلى الآن- لم يستورد أفرادنا من الغير ما يفيدهم بل استوردوا منهم الأمور الساقطة والسطحية؛ وعليه، أصبح في صيرورة مستمرة وبشكل دراماتيكي إلى الانحلال الثقافي والقيمي.
نقطة جديرة بالالتفات:
أن مشايخنا لا يتخرجون من الحوزات العلمية وفق معايير علمية وسلوكية تحدد مدى صلاحيتهم للقيام بأدوارهم الحقيقية، وكما أعرفه أن كل من يدرس مناهج محددة بعد الانتهاء منها يمكنه التخرج من الحوزة برتبة معينة كداعية مثلا. وفي أحسن الأحوال إن لم ينكفئ الشيخ على نفسه يمارس دوره المناط به سواء اكتسب المهارات الضرورية لدوره أو لم يكتسب. ولأن مجتمعنا قديما تفشت فيه الأمية وانعدمت منه الثقافة والمثقفين، فبطبيعة الحال سيكون بحاجة للمشايخ. وبناء على ما سبق، بعض المشايخ أخذهم الغرور والاستعلاء لكونهم الأوعى والأكثر ثقافة في المجتمع.
ويجب على من أخذه الغرور أن يستوعب تبدل الزمان، إذ أن المجتمع صار أذكى من ذي قبل، ويعرف القراء والكتابة، ولأن وسائل الاتصال أخذت دورها فأصبح سهلا الاستغناء عن الشيخ في أمور الدين. فالرسائل العملية موجودة بكثرة، والإنترنت يمكّن الفرد من الاتصال بالمرجع مباشرة. فليكن الشيخ حذرا على مكانته ودوره الحاليين قبل أن يتجاوزه الناس. وينبغي أيضا أن يتواضع و يتقبل النقد من المثقفين، ويضع يده بيدهم.
إلى أي مدى يجب أن يكون الصراع بين الشيخ والمثقف؟!
أقول رأيي بلا مجاملة، وبكل ما استطيع من موضوعية: إن الصراع يجب أن يكون قويا إلى المدى الذي يجعل كل المجتمع لا ينظر إلى الشيخ على أنه مقدس، وينظر إليه بشكل فعلي وواقعي على أنه بشر يخطئ ويصيب وأنه بحاجة ماسة لمن ينتقده ويقوّم طريقه إذا أخطأ. وإذا خلقنا هذه المساحة - بشكل طبيعي- مع تقدم الزمن؛ ستضمحل «فرقة خطيرة» منتشرة بيننا نشأت في ظل تسيد ثقافة خاطئة. ويمكننا أن نصف هذه الفرقة بأنها: جماعة وهبت عقولها لرجال الدين بحسن نية على اعتبار أنهم - أي المشايخ- هم الأدرى في كل شي، وأن ما يقولونه هو الحق الذي لا مرية فيه.
وبالمختصر المفيد: أن المشايخ هم من «أهل العصمة» وإن لم تعتقد- أي الفرقة - بهذا الأمر إلا أنها بشكل فعلي تمارسه!.
ويتجلى وجود هذه الثقافة الخاطئة في صراع أتباع مشايخ مع أتباع مشايخ آخرين. والسبب هو أن المشايخ يختلفون مع بعضهم البعض، أو يتصارعون على أمر معين؛ فتأخذ الأخوة الحمية على شيخهم صاحب الحق المطلق؛ فيكونون حطبا لجهنم حرب لا مسوغ لها، والأعظم من كل ما سبق: أن بعض المشايخ يباركون لأتباعهم مواصلة قتال أهل الباطل!!. ولا توجد إلا القلة القليلة من أتباع المشايخ الذين يقرون بغلط شيخهم إذا هو أخطأ.
تكمن خطورة هذه الشرذمة في أنهم يحاربون أي تجديد يدخل المجتمع إذا رفضه شيخهم، أي أنهم سيكونون عقبة حقيقية ستعثر المجتمع من التعاطي الثقافي الداخلي أو مع الجيران، وذلك بحجة الخوف من السموم الفكرية. ومن سلوكيات هذه الشرذمة مصادرة الحريات، وفرض قناعات معينة على الناس. كما أن بمجرد الاختلاف معهم يمارسون ضدك الإقصاء لأنهم في الواقع يعتبرون الاختلاف لابد وأن يكون بين الحق والباطل وليس بين الصواب والخطأ، فالباطل يجب أن يكون محاربا بينما الخطأ يجب أن يمارس معه الحوار لتصحيحه، وهنا تكمن المفارقة.
على كل حال، على المثقفين ألا يوسعوا المدى إلى الحد الذي يفقد المشايخ ثقة الناس. فكما قلنا سلفا: إن المشايخ في الحقيقة هم صمام الأمان ويجب عليهم أن يكونوا كذلك. وإن لم يكونوا كذلك فسيتجاوزهم الناس بشكل طبيعي في حال استطعنا أن نخلق مساحة فعلية يُنَتقدُ فيها المشايخ انتقادا موضعيا.
ما هو الهدف النهائي من هذا الصراع؟!
من المهم أن ندرك أن الحفاظ على المجتمع بطريقة تقليدية أمر سيئ جدا، كأن ينصب المشايخ أنفسهم أوصياء على عقول الناس ولا يسمحون للناس بنقدهم وإبداء ملحوظاتهم عليهم، أو الاختلاف مهم. بطبيعة الحال سيُخْلقُ لدينا مجتمع معطل العقل ولا يتقبل عدا التلقين وتنفيذ الأوامر بسذاجة لا متناهية نتيجة الاستبداد باسم الدين أو بغيره.
وإذا أصبح مجتمعنا بهذه الصورة سيكون لقمة سائغة ويسوده التخلف والهمجية والأعظم من كل ذلك أنهم سيصابون بداء التبعية أكثر مما هم عليهم. إذن، لا بد من خلق حرية حقيقية للفرد؛ ليتسنى له ممارسة حقه الطبيعي في التفكير والنقد وتبني من الفكر ما يراه صالحا.
ومن المهم أيضا إدراك خطورة إعطاء الفرد حريته دون أن يكون مهيئًا لذلك. فالحرية سلاح ذو حدين، بها يصل المجتمع إلى أعلى عليين أو إلى أسفل سافلين. ولهذا على المثقف والشيخ أن يحاولا في صناعة مجتمع واع ٍ يفهم أهمية استخدام المنطق و يحسن استغلال الحرية والنقد بشكل علمي وعملي وذلك عبر التوعية الفاعلة و المستمرة بإقامة الندوات الثقافية سواء في الحسينيات والمساجد أو في المنتديات.
ويجب أيضا الالتفاتة إلى ضرورة ممارسة التوعية والتثقيف في الديوانيات والمجالس بشكل رسمي. وإذا استطعنا خلق هذا المجتمع، سنجده منتجا ومتقدما بقدر مساحة الوعي والحرية التي أعطيناه.
[2] المسار الوظيفي هو: النقد بغرض التقويم لتجاوز الأمور الخاطئة.
[3] وظيفة المشايخ: هي العمل على إصلاح المجتمع دينيا وأخلاقيا وثقافيا، والحفاظ على التجديد الثقافي للمجتمع باستمرار والحرص على أمنه –أعني الثقافي- بالطرق السليمة والمشروعة، وإن ضحلت ثقافتهم أو قَدُمَتْ أساليبهم فقدْ فقدوا وظيفتهم، وأصبحوا عالة على المجتمع.
[4] غير جاد؛ لأنه يفتقد إلى نشاطات حقيقية تساعد على ترسيخ المفاهيم الصالحة في ذهنية الفرد لتصبح كالمَلَكَة.
[5] كالاستبداد باسم الدين وممارسة الوصاية على العقول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























