"السنّة والشيعة، وحدة الدين وخلاف السياسة" لأحمد الكاتب

كتبها الشورى ، في 31 أكتوبر 2007 الساعة: 12:11 م

خالد غزال / النهار

يشهد العالم العربي والاسلامي اندلاعا للصراع المذهبي بين السنة والشيعة لم يعرف له مثيل منذ قرون. يتخذ الصراع اشكالا متعددة، منها ماهو ظاهر وعنيف كما هي الحال في العراق، ومنه ما هو كامن ومستترفي اكثر من مكان في العالمين العربي والاسلامي. يطرح كثيرون اسئلة عما اذا كان هذا الصراع له صفة الديمومة والابدية بالنظر الى انبعاثه بعد ان جرى الاعتقاد بأن الزمن قد تجاوزه لكونه صراعا سياسيا في الاساس ومرتبطا بمرحلة محددة من التاريخ الاسلامي.
يطرح تجدد هذا الصراع اليوم اكثر من علامة استفهام حول درجة تطور المجتمعات العربية والاسلامية ومدى تجاوزها للبنى المتخلفة التي تقبع في اسارها منذ قرون، وتشير الى ان هذه المجتمعات لم تستفد من التقدم الحضاري الذي اصابت سهامه مجتمعات متعددة فادخلها في رحاب تسوية خلافاتها بالوسائل السلمية وبما يمنع تحول مشاكلها الداخلية الى حروب اهلية تدمر كل ما تكون هذه المجتمعات قد بنته.
 ظهر ادب سياسي غزير تناول الخلاف السني - الشيعي على مدى التاريخ اتسمت غالبيته باحادية جانبية منحازة لهذا المذهب او ذاك، كما صدرت كتابات يمكن تصنيفها في خانة الموضوعية في قراءة عوامل الخلاف واسباب استمراره. ويشكل كتاب الباحث الايراني احمد الكاتب"السنة والشيعة، وحدة الدين وخلاف السياسة والتاريخ" مساهمة موضوعية في تسليط الضوء على هذا النزاع في اسبابه وعوامل ادامته.
يشير الكاتب بداية الى وحدة الدين الاسلامي اي المتفق عليه من العقائد. يتفق السنة والشيعة على جوهر العقيدة الاسلامية والمحددة بالايمان بالله الواحد الاحد، وبنبوة الرسول محمد، وباليوم الآخر. شكل هذا اللاهوت رمزا لوحدة الاسلام والمسلمين في عهد النبوة، مما يعني ان اللاهوت الذي تكون لاحقا ارتبط بعوامل اخرى يدرجها الكاتب في اطار الصراع السياسي على السلطة في الاسلام. انقسم المسلمون منذ اليوم الاول لوفاة الرسول على الخلافة وعلى من يجب ان تؤول اليه. لم يكن للخلاف اي طابع ديني متصل بأسس العقيدة، بل ارتبط بصراع القبائل التي كانت كل واحدة ترى احقية في خلافة الرسول. اتسع الخلاف بعد ان اتخذ طابعا دمويا سواء في عهد الخلفاء الراشدين الذين ذهب ثلاثة منهم قتلا، او بعد سيطرة الامويين على السلطة ومقتل الحسين في كربلاء.يضاف الى ذلك ان الاسلام دخل الى مجتمعات متعددة اثّر بها ولكنه تأثر بحضارتها وثقافتها ايضا، وهو ما سينعكس لاحقا في التراث اللاهوتي للفرق والمذاهب الدينية في الاسلام.
بدأ الانشقاق الاكبر عندما رفض فريق من الموالين لعلي بن ابي طالب التسوية التي قضت بابعاد علي عن الخلافة، ومنذ ذلك الوقت بدأ الصراع يتغذى من تفسير للنص الديني استنادا الى مصالح هذا الفريق او ذاك، وبما يعزز طروحاته السياسية. شكلت النظرية الخاصة بعقيدة الامامة محورا في"ايديولوجيا" الفريق الشيعي، واعتبرت مصدر خلاف مع السنة الذين رفضوا القول بها. اصر الفريق الشيعي على وجود نص ديني يعطي علي الحق بالخلافة استنادا الى حديث نبوي في هذا الشأن.وذهب مغالون الى القول بان تحريفا للقرآن قد حصل حذفت منه الآيات التي تنص صراحة على"تفويض الله للنبي وللائمة من اهل البيت الولاية التشريعية والولاية التكوينية". هكذا باتت الامامة عند الشيعة في صلب العقيدة، كما صارت جزءا من النبوة وامتدادا لها. تكرست هذه المقولات في القرن العشرين على يد الامام الخميني بعد انتصار الثورة الايرانية الذي رأى ان "من ضرورات مذهب الشيعة ان للائمة مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل". بذلك جرى تكريس عقيدة الامامة بصفتها من شروط التشيع مما يعني ان الحاكم يجب ان يكون معصوما كالانبياء تماما. يلخص الكاتب هذا التحول بالقول: "التشيع نزعة سياسية اكثر من ان تكون عقيدة دينية، بيد ان هذه النزعة السياسية قد انقلبت الى عقيدة دينية مع الزمان".
في المقابل يرفض اهل السنة اعتبار الامامة شرطا لاكتمال العقيدة، ويرون ان الامامة تعني السلطة السياسية اي الحكومة بالمفهوم الحديث للسلطة، وان وظيفة الامام ان يكون حاكما موحدا بين المسلمين وساهرا على امورهم. ستتخذ هذه القضية بعدا سياسيا وعقائديا في مراحل لاحقة شبيهة بما كانت المجتمعات المسيحية قد عاشته في شأن مصدر السلطة وما اذا كانت من الله ام من الشعب.
يتفق السنة والشيعة على المصادر الاساسية للتشريع خصوصا في ما يتعلق بالقرآن بشكل رئيسي وتسليمهم جميعا بالمصحف كما استقرعليه في عهد الخليفة عثمان.كما يتفقون على ان السنة النبوية مصدر للتشريع مكمّل لما اتى القرآن به. يتفاوت الاتفاق حول الاحاديث النبوية نظرا الى الخلاف حول صحتها كما وردت في كتب الاحاديث، مما جعل كل طرف يغلب قسما منها على حساب اقسام اخرى وفقا لمقتضيات السياسة والاجتماع. لكن الخلاف الصريح والمستمر يدور حول احاديث الصحابة واهل البيت. يتخذ الشيعة موقفا سلبيا من الصحابة، ويرفضون بالاجمال ما ورد عنهم من احاديث منسوبة الى الرسول. يوازيهم اهل السنة في التشكيك باحاديث الائمة واعتبارها ذات وظيفة سياسية ولا تمت بصلة الى اقوال الرسول.
لم يكن لهذا الخلاف حول النصوص الدينية وتفسيراتها ان تتخذ هذا الحجم لو لم تكن تمظهرا لصراع سياسي بدأ في العصر الاسلامي الاول بين القبائل الرئيسة في الجزيرة العربيةعلى السلطة والثروة والنفوذ، وجرجرت نفسها لاحقا في العصور الاموية والعباسية التي شهدت اضطهادا للشيعة واقصاء لهم عن المشاركة السياسية. وعلى امتداد التاريخ الاسلامي جرى استغلال المذاهب الفكرية والفقهية في حشد القوى الاجتماعية وادخالها في اتون الصراعات السياسية، وفي تسويغ وتشريع سلطات الحكام واسباغ المشروعية الدينية. سيجل القرن السادس عشر مرحلة مفصلية في تأجيج وتيرة هذا الصراع من خلال تسلم الصفويين الحكم في بلاد فارس وتكريس التشيع مذهبا رسميا في البلاد، يقابله التوسع العثماني بطابعه السني وسيطرته على اجزاء واسعة من العالم الاسلامي والدخول في حروب ضارية بين الدولتين الصفوية والعثمانية. ستسجل هذه المرحلة تصعيدا في التحريض الايديولوجي بين المذهبين.
لم يختلف القرن العشرون عما سبقه في استمرار النزاع السياسي المدجج بالحجج اللاهوتية المتناقضة بين الطرفين. بل ان تكون النظام السياسي العربي بالديكتاتوريات التي اقامهاشكل عنصرا اضافيا في ادامة النزاع وتصاعده. نجم عن هذا الاستغلال للخلافات الطوائفية مزيد من الانقسام والتشرذم طال هذه المرة مكونات الدولة بصفتها عنصر الانتماء، وذلك لصالح اللجوء الى الطوائف والمذاهب سبيلا الى الحماية ووسيلة الى توسل المصالح. عزز هذا التحول ما تحمله المذاهب الاسلامية جميعها ومن دون استثناء من فكر ديكتاتوري وعقلية جامدة ترفض التعددية والاعتراف بالآخر، كما ترفض الاحتكام الى الطرق السلمية في حل الخلافات، ويزيد الامر تعقيدا فتاويها في التكفير والنبذ من كل طرف للآخر.
اذا كان هناك من يسعى من المسلمين الى الوحدة وتجاوز صراع المذاهب، فإن الطريق يبدأ ديمووقراطيا، فيمر عبر الانفتاح الثقافي وقبول الاختلاف كحق لكل طرف والامتناع عن اعتبار الخلاف عائقا امام التواصل. لكن الشرط الاساسي لهذه الوحدة يظل في تحرير الدين من السياسة ومنع استخدامه في الصراعات السياسية والاجتماعية، بل في اعادته الى موقعه الاصلي بما هو دور روحي واخلاقي يحتاجه الانسان في التقرب من ربه والتعبد له.

• أحمد كاتب، "السنة والشيعة، وحدة الدين وخلاف السياسة"، الدار العربية للعلوم، 2007 - بيروت.

خالد غزال     
(كاتب)      

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر