هل يوجد مفهوم حقيقي ومعاصر لمصطلحي "الشيعة" و "السنة"؟

كتبها الشورى ، في 19 يوليو 2006 الساعة: 14:20 م

هل يوجد مبرر واقعي وجدي للتمايز بين المسلمين اليوم؟

    وهل يوجد معنى حيوي للفرق بين الشيعة والسنة؟

    وهل يوجد مفهوم  حقيقي ومعاصر لمصطلحي:"الشيعة" و "السنة"؟

    أم إن هذه مفاهيم ومصطلحات تاريخية قديمة وجوفاء؟ وان الأمة الإسلامية اليوم قد تجاوزت الخلاف التاريخي القديم الذي حدث بين المسلمين في القرون الأولى حول شروط الخلافة ومواصفات الخليفة ومن هو أحق بها. وذلك بعد مضي أربعة عشر قرنا على ذلك الخلاف ، وعدم وجود مصاديق خارجية لأهل البيت أو الأئمة المعصومين الذين قال الشيعة الامامية بانحصار الحق الشرعي في الخلافة بهم، من جهة، وكذلك انقراض الخلفاء العباسيين أو العثمانيين الذين قال السنة بحقهم في الخلافة ، من جهة أخرى.

   وإذا كان ثمة في التاريخ السحيق معنى معقول للخلاف الذي حدث بين المسلمين الأوائل حول الخلافة، فان ذلك الخلاف، لاشك ، قد انطوى مع الزمن ، ولم يعد له أي معنى جدي أو حيوي معاصر، ولم يعد يتمثل اليوم سوى في بعض المخلفات والقشور والعادات والطقوس والرواسب التاريخية.

   ومن هنا فان الأمة الإسلامية – شيعة وسنة – بأمس الحاجة اليوم لمراجعة ذلك الخلاف التاريخي ودراسته بدقة من اجل التخلص من رواسبه السلبية، والتحرر من مخلفاته التي قد لا تزال تشدخ الوحدة النفسية للمسلمين.. أو تؤجج بعض المعارك الوهمية بينهم.

   وفي الحقيقة ان كلا من الشيعة والسنة بحاجة الى دراسة الأسس والعناصر التي كونت كلا من المذهبين السياسيين التاريخيين "التشيع" و "التسنن" وملاحظة التطورات الجذرية التي طرأت على المذهبين عبر التاريخ، ومعرفة العناصر المنقرضة والمظاهر المتبقية.. لعلهم يدركون أنهم لا يتمسكون اليوم سوى بأسماء وهمية وشعارات فارغة.. وأن الخلاف الجوهري بينهما قد ذهب مع التاريخ.

   ان المشكلة تكمن في رؤية كل فريق للفريق الآخر بعيون تاريخية واعتمادا على التراث القديم، بدلا من النظر الى واقع الطرف الآخر اليوم ومدى وعيه والتزامه بالنظريات القديمة التي كونت المذهب. وتشتد هذه النظرة التاريخية الخاطئة المخالفة للواقع ، خصوصا لدى الجماعات السلفية من الشيعة والسنة التي تعيش في التاريخ وترفض الحياة في العصر الراهن. وإذا ما تسنى لهذه الجماعات ترجمة نظراتها السلبية الى مواقف متشنجة مع الآخر، فإنها قد تنجح في إثارة وتعزيز العصبية المضادة.

   وبعيدا عن الجدل الطائفي العقيم الذي لم يستطع ولن يستطيع إعادة عقارب الساعة الى الوراء، فان من الأجدى القيام بالنقد الذاتي ومراجعة الفكر السياسي الموروث وتصحيحه، من أجل بناء نظام سياسي جديد أكثر عدلا وحرية واستقرارا. إذ لا يستطيع أحد ان يدعي أن الأمة الإسلامية اليوم بكل فرقها وطوائفها تعيش حياة سياسية أفضل وأرقى من الآخرين.

   انطلاقا من هذه الرؤية قمت قبل أكثر من عشر سنوات بمراجعة الفكر السياسي الشيعي، الذي كنت أؤمن به وأدعو اليه، وقد اكتشفت بعد عملية المراجعة التي استغرقت مني عدة أعوام، أن كثيرا من الأفكار الشائعة والتي كنت أؤمن بها ما هي إلا أفكار دخيلة وطارئة لا تمت بصلة الى مذهب أهل البيت. وان فكر أهل البيت أو الشيعة الأوائل هو أقرب الى الفكر الإسلامي العام الذي كان يدور حول مبدأ الشورى. وفي دراسة أخرى قمت بها لاحقا، اكتشفت ان الفكر السياسي السني هو الآخر فكر مستحدث، وانه لا يمت الى السلف الأول بصلة. واكتشفت في نفس الوقت ان المسلمين جميعا سنة وشيعة قد تخلوا عمليا عن كثير من الأفكار الخاطئة التي تسربت إليهم عبر القرون، وانهم قد يشتركون في تبني نظريات سياسية جديدة ومعاصرة مشتركة ، بحيث لم يعد يجوز ان نطلق عليهم التسميات الطائفية القديمة التي كانت نتاج ظروف خاصة بائدة.

   وسوف أقوم هنا باستعراض الفكر الشيعي الامامي الاثني عشري، الذي ولد في القرن الثاني الهجري، وتطور مع الزمن، ثم وصل الى طريق مسدود في منتصف القرن الثالث الهجري، ليسلك بعد ذلك طريقا طويلا من الانحدار والنهوض امتد حوالي ألف عام، وليصل بعد ذلك الى مستوى عال من التقدم ويختلف جذريا مع الفكر القديم. وما يهمنا جدا الآن هو تعزيز الإنجازات الديموقراطية التي حققها هذا الفكر، وإزالة العقبات والشوائب والمخلفات التي لا تزال تلعب أدوارا سلبية في تقدمه نحو الأمام.

النظرية الامامية

من المعروف ان مصطلح "الشيعة" أطلق في القرن الأول الهجري على أتباع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مقابل شيعة معاوية أو آل أبي سفيان. وربما أريد منه: الذين يفضلون علياً على غيره من الصحابة. أما مصطلح "الإمامية" فقد أطلق في القرن الثاني على الشيعة الذين قالوا باشتراط العصمة والنص في الإمام، وان أئمة أهل البيت أحق من غيرهم بالإمامة. وأما مصطلح "الإثني عشرية" فقد أطلق في القرن الرابع الهجري على الشيعة الذين قالوا بولادة ووجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) واستمرار حياته الى يوم الظهور.

   وقد كان موضوع النظرية الامامية سياسي بالدرجة الأولى ، ويدور حول شروط الإمامة بمعنى الرئاسة والحكم والخلافة، وطبيعتها وانحصارها في البيت العلوي الحسيني، في مقابل النظريات الشيعية والسنية الأخرى التي كانت تختلف مع الامامية  حول اشتراط العصمة والنص، أو اشتراك سائر البيوت العلوية أو الفاطمية أو الهاشمية أو القرشية في الحق في الخلافة، وقيامها على أساس الشورى والاختيار.

   وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة النظرية الامامية، وفيما إذا كانت تمثل رأي عامة الشيعة أو رأي فريق خاص وصغير منهم، فان تلك النظرية وصلت الى طريق مسدود بوفاة الإمام الحسن العسكري دون خلف، أو غيبة الإمام الثاني عشر- على القول بولادته- حيث لم يعد هؤلاء الشيعة يمتلكون إماما ظاهرا يقود حركتهم الاجتماعية أو يؤسس لقيام دولتهم، في حين ظل العباسيون مستمرين  في السلطة، وكذلك الشيعة الإسماعيلية الذين نجحوا في إقامة الدولة الفاطمية في شمالي أفريقيا، أو الشيعة الزيدية الذين أسسوا عدة دول لهم في اليمن وطبرستان. ولذلك دخل الشيعة الامامية الاثني عشرية منذ ذلك الحين في مرحلة أسموها (الانتظار) ويعنون به : انتظار الإمام الغائب (الثاني عشر). وقد اتسمت تلك المرحلة بالسلبية السياسية المطلقة حيث حرموا الثورة واقامة الدولة إلا بعد ظهور الإمام المعصوم المنصوص عليه من  الله، وعطلوا كل ما يتعلق بالدولة من أمور، كجباية الخمس والزكاة وإقامة الحدود ، وصلاة الجمعة، ورفضوا حتى نظرية ولاية الفقيه باعتبارها تفتقد الى شروط الإمامة من  العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية.[2]

 

    فقد قال الشيخ محمد بن أبى زينب النعماني (توفي سنة 340هـ ) :" ان أمر الوصية والإمامة بعهد من الله تعالى وباختياره ، لا من خلقه ولا باختيارهم ، فمن اختار غير مختار الله وخالف أمر الله سبحانه ، وَرَدَ مورد الظالمين والمنافقين الحالّين في ناره" . وأورد سبع عشرة  رواية حول وجوب التقية والانتظار وتحريم الخروج في (عصر الغيبة ).[3]

   وقال الشيخ الصدوق (توفي سنة 381 هـ ) :" التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين ، فمن تركها فقد خالف دين الامامية وفارقه .. والتقية واجبة لا يجوز تركها الى ان يخرج القائم ، فمن تركها فقد دخل في نهي الله عز وجل ونهي رسوله والأئمة (ع) ويجب الاعتقاد ان حجة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر ابن الحسن.. ويجب ان يعتقد انه لا يجوز ان يكون القائم غيره بقي في غيبته ما بقي ، ولو بقي عمر الدنيا لم يكن القائم غيره ".[4]

   و من هنا فقد رفض المتكلمون الاماميون الأوائل دعوة المعتزلة والشيعة الزيدية، الى تبني نظرية (ولاية الفقيه) في ظل (الغيبة الكبرى) ، استنادا الى فقدان الفقيه للعصمة والتعيين من الله ، وتعارض نظرية (ولاية الفقيه) مع نظرية (الإمامة الإلهية).[5]  

 

   وعلى رغم أن الشيعة الامامية الاثني عشرية كانوا يعيشون في القرنين الرابع والخامس، في ظل الدولة البويهية الشيعية، إلا انهم لم يستطيعوا إنتاج نظرية عصرية سياسية تلبي متطلبات الحياة ، وأصروا على تكريس نظرية (الانتظار) السلبية وترديدها في مختلف كتبهم الفكرية والفقهية. وحتى عندما قامت الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري ، فان قسما من الشيعة ظل يتمسك بموقف الانتظار السلبي للإمام الغائب المنتظر، كلازمة من لوازم نظرية (الإمامة الإلهية)، ويرفض الانخراط في الدولة الصفوية، بالرغم من تأييد الشيخ علي الكر كي بناء على نظرية (نيابة الفقهاء العامة عن الإمام الغائب) والتي أجاز لنفسه على ضوئها إضفاء نوع من الشرعية على الدولة الصفوية. حيث كان ذلك القسم يرى في المحاولة الصفوية - الكركية انقلابا على أهم أسس النظرية الامامية ، من حيث اشتراط العصمة والنص في الإمام (الرئيس) واستلابا واغتصابا لدور الإمام المعصوم (المهدي المنتظر الغائب).[6]

   وتجلى ذلك الموقف السلبي من إقامة الدولة في (عصر الغيبة) في القرن الثالث عشر الهجري أيضا في موقف الشيخ محمد حسن النجفي صاحب (جواهر الكلام)، والذي عاصر الأيام الأخيرة للدولة العثمانية، ولكنه لم يفكر في الثورة عليها وإقامة دولة شيعية خاصة في العراق، رغم إيمانه بنظرية ولاية الفقيه الى درجة كبيرة، نظرا لأنه كان يؤمن بعدم إمكانية إقامة الدولة في عصر (الغيبة) وإلا لظهرت دولة الحق وخرج الإمام المهدي، الذي لم يختف إلا بسبب الخوف على نفسه. ولذلك توصل النجفي الى ضرورة الانتظار ، وعدم جواز إقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، بل عدم إمكانيتها. [7]

وقد انعكست نظرية الانتظار السلبي للإمام الغائب (الثاني عشر) على موقف الشيعة الامامية الاثني عشرية من :(قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مما أدى إلى نشوء ظاهرة الانسحاب السياسي عند قطاع واسع من الشيعة الامامية ، وضعف المشاركة الشعبية في التغيير الاجتماعي ، وقد تمثل ذلك بصورة جلية في إحجام عدد من الفقهاء الذين تسلموا زمام المرجعية الشيعية العامة عن خوض العمل السياسي أو التصدي للظلمة والطواغيت .[8]

   كما انعكست نظرية (الانتظار) التي التزم بها أولئك العلماء ، أيضا ، على مسألة إقامة الحدود في (عصر الغيبة) ،حيث اشترطوا إقامتها بظهور الإمام المهدي الغائب.[9]

  

    وكاد إجماع الشيعة الامامية الاثني عشرية ينعقد عبر التاريخ على حرمة الجهاد الابتدائي في (عصر الغيبة). فقد اشترط الشيخ الطوسي في :(المبسوط) في وجوب الجهاد : ظهور الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره ، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه ، أو حضور من نصبه الإمام للقيام بأمر المسلمين ، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الإمام ظاهرا ولا من نصبه الإمام حاضرا ، وقال: "ان الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم ، وان أصاب لم يؤجر وان أصيب كان مأثوما". واستثنى من ذلك حالة الدفاع عن النفس وعن حوزة الإسلام وجميع المؤمنين إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الإسلام.[10]

   وإضافة الى تلك الجوانب السياسية التي علقها الفقهاء الذين آمنوا بنظرية (الانتظار) في عصر الغيبة ، فقد علقوا أيضا الجوانب الاقتصادية التي ترتبط بالدولة ، كالزكاة والخمس والأنفال والخراج وما شابه.. إلا انهم لم يعطلوا قانون الزكاة بالمرة ، ولكنهم عطلوا بعض موارد صرفها ، وهي الموارد التي تتعلق بشؤون الدولة و (الإمام) فقد أجازوا لمن وجبت عليه الزكاة ان يتولى إخراجها من ماله وتوزيعها بنفسه ، وذلك عند فقد الإمام والنائبين عنه ، وتعذر إيصالها اليه . واسقطوا سهم المؤلفة قلوبهم وسهم (سبيل الله) والعاملين عليها من مصارف الزكاة .[11]

   ومع سقوط نظرية الدولة في الفكر السياسي الشيعي الاثني عشري ، وتحريم إقامتها في (عصر الغيبة) تعامل الفقهاء مع موضوع الزكاة من ثلاثة جوانب ، فأوجبوا الزكاة من ناحية ، وأمروا المكلفين بإخراجها وتوزيعها بأنفسهم لعدم وجود الإمام الشرعي ، من ناحية ثانية ، واسقطوا حصص العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والجهاد ، من ناحية أخرى .

   هكذا فعل ابن حمزة في (الوسيلة الى نيل الفضيلة )، وهكذا قال ابن إدريس في (السرائر)  وهكذا أفتى المحقق الحلي نجم الدين جعفر بن الحسن في (شرائع الإسلام ) و (المختصر النافع)  والمقداد بن عبد الله السيوري الحلي في :(كنز العرفان في فقه القرآن).

  وبالرغم من رعاية المحقق الكركي للدولة الصفوية الشيعية ، وإعطاء الشاه (طهماسب) الإجازة في الحكم نيابة عنه باعتباره نائبا عن الإمام المهدي ، إلا انه التزم بنظرية :(التقية والانتظار) واسقط في (جامع المقاصد) سهم المؤلفة قلوبهم والساعي والغازي حال الغيبة ، إلا مع الحاجة الى الجهاد.   

  أما في موضوع الأنفال التي ينص القرآن الكريم على أنها لله وللرسول، فيعتقد الشيعة الامامية أنها للإمام القائم مقامه من بعده، خالصة له كما كانت خالصة للرسول (ص) في حياته ، ولا يحق لأحد ان يعمل في شيء من الأنفال إلا بأذن الإمام العادل ، فمن عمل فيها بأذنه فله أربعة أخماس المستفاد منها وللإمام الخمس. ولما كان (الإمام العادل) في المصطلح الامامي يعني : (الإمام المعصوم المعين من قبل الله تعالى ) وانه منذ وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 هـ هو (الإمام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري ) الذي ولد سنة 255 هـ وغاب بعد ذلك الى اليوم ، فانه يصبح : المالك الحقيقي للأنفال ، وكذلك المالك الحقيقي للخمس، وهو قانون خاص غير الزكاة يفرضه الشيعة على المغانم والأرباح أيضا، ويعتقدون ان عليهم تقديمه لله وللرسول وللإمام ولليتامى والمساكين وأبناء السبيل من بني هاشم ، وان سهم الله والرسول وذي القربى يجب تقديمه للإمام (الذي يمثل ذوي القربى ) والذي هو اليوم (الإمام المهدي المنتظر ) كما يجب إعطاؤه الأسهم الثلاثة الأخرى: اسهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، لكي يوزعها على الأصناف الثلاثة من بني هاشم . [12]

  وقد أدى الالتزام بنظرية (الانتظار) الى الوقوع في أزمة حادة في موضوع الخمس والأنفال في (عصر الغيبة) ، فمن جهة : ان الإمام المهدي هو الشخص الوحيد صاحب الخمس والأنفال ، والذي يحق له استلامها وتوزيعها ، ومن جهة أخرى : لا سبيل الى الوصول اليه لأداء حقوقه ، كما لا توجد أية نصوص منه في مسالة توزيعها والتصرف فيها في ظل الغيبة.  ومن هنا فقد احتار الفقهاء في حكم الخمس والأنفال ، وقال الشيخ المفيد في :(المقنعة):" قد اختلف قوم من أصحابنا في ذلك عند الغيبة ، وذهب كل فريق منهم الى مقال: فمنهم من يسقط فرض إخراجه ، لغيبة الإمام ، وما تقدم من الرخص فيه من الأخبار . و بعضهم يوجب كنزه ، ويتأول خبرا ورد :( ان الأرض تظهر كنوزها عند ظهور الإمام ، وانه (ع) إذا قام دلّه الله على الكنوز فيأخذها من كل مكان). وبعضهم يرى صلة الذرية وفقراء الشيعة على طريق الاستصحاب. وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر ، فان خشي إدراك الموت قبل ظهوره وصّى به الى من يثق به في عقله وديانته حتى يسلم الى الإمام ، ثم ان أدرك قيامه .. وإلا وصّى به الى من يقوم مقامه في الثقة والديانة، ثم على هذا الشرط الى ان يظهر إمام الزمان . وهذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم ، لأن الخمس حق لغائب لم يرسم فيه قبل غيبته رسما يجب الانتهاء اليه فوجب حفظه الى وقت إيابه ، والتمكن من إيصاله اليه أو وجود من انتقل بالحق اليه ، ويجري ذلك مجرى الزكاة التي يعدم عند حلولها مستحقها فلا يجب عند ذلك سقوطها ، ولا يحل التصرف فيها على حسب التصرف في الأملاك ، ويجب حفظها بالنفس أو الوصية الى من يقوم بإيصالها الى مستحقها من أهل الزكاة من الأصناف". وأضاف:"إنما اختلف أصحابنا في هذا الباب لعدم ما يلجأ اليه من صريح الألفاظ ". [13]

   وقد أدت هذه الحيرة والغموض في موضوع الخمس في (عصر الغيبة) الى ظهور عدد من الأقوال الغريبة المنافية للعقل والقرآن من قبيل إسقاط الخمس أو دفنه في الأرض أو إلقائه في البحر أو عزله والوصية به الى يوم ظهور المهدي ، وهو الرأي الذي اختاره المفيد وفقهاء آخرون عبر التاريخ، بينما ذهب فقهاء آخرون الى تحليل الخمس وإباحته للشيعة في (زمان الغيبة)..[14]

 وكانت صلاة الجمعة هي المعقل الأخير الذي تأثر بنظرية (الانتظار) وذلك في أعقاب سقوط الدولة البويهية في أواسط القرن الخامس الهجري. ولم يكن ليحدث في أمر هذه الصلاة العظيمة من جديد لولا التفسير الذي راج عند بعض الفقهاء الامامية، حول كلمة:"الإمام" أو "الإمام العادل" حيث حصروا معناها بـ :"الإمام المعصوم" . ولما كانوا يقولون : ان الإمام المعصوم غائب في هذا العصر ، وان من شروط إقامة صلاة الجمعة حضور الإمام أو إذنه ، فقد قال أولئك الفقهاء بافتقاد أحد شروط صلاة الجمعة ، وهو إذن الإمام المعصوم المهدي المنتظر. ونتيجة لذلك قالوا بحرمة أو بعدم وجوب صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) . [15]

   وقد سار كثير من الفقهاء اللاحقين بعد ذلك ، والى يومنا هذا ، على خطى أولئك العلماء الذين اشترطوا العدالة في الإمام وفسروا كلمة (الأمام العادل) بالإمام المعصوم (المهدي المنتظر) ، وانتهوا الى تعطيل صلاة الجمعة في عصر الغيبة ، انسجاما مع نظرية (الانتظار) التي تحرم إقامة الدولة الإسلامية لغير الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى.

  إذن فقد أدت نظرية (الانتظار للإمام المهدي الغائب) - كما رأينا في الصفحات السابقة - الى غيبة الشيعة الامامية أنفسهم عن مسرح الحياة السياسية ، وذلك بتحريم العمل السياسي وإقامة الدولة في (عصر الغيبة) ، مما أدى بكثير من العلماء الى التراجع عن الفكر الامامي المتصلب والتخلي عن نظرية الانتظار المتشددة ، وكانت أول خطوة في هذا الطريق هي فتح باب الاجتهاد.

    وكان الاجتهاد محرما في الفكر الامامي الذي كان يحصر العمليات التشريعية الجديدة في (الأئمة المعصومين ) . ولذلك فقد كانت المدرسة الامامية القديمة اخبارية تحرم الاجتهاد خارج النصوص ، وظلت هكذا الى فترة طويلة بعد (الغيبة) ، وكان منتهى العمل (الاجتهادي) يدور داخل النصوص والترجيح فيما بينها ومعرفة العام والخاص والمطلق والمقيد وما شابه ، وكانت فتاوى العلماء ، كعلي بن بابويه الصدوق ، مجرد نصوص روايات معتبرة لديهم .

    ولكن بعد القول بغيبة (الأمام الثاني عشر) ومرور مدة طويلة على انقطاع الاتصال بـ :"مصدر العلم الإلهي" وحدوث مسائل جديدة تستوجب الإجابة عليها ، بدأ موقف الامامية من (الاجتهاد) يتطور .. ويتغير ، واضطروا لفتح باب الاجتهاد والقول بجواز القياس. وكان أول من قال بذلك في أواسط القرن الرابع هو الحسن بن عقيل العماني ، المعاصر للكليني . ثم جاء الشيخ المفيد في بداية القرن الخامس الهجري ليمارس (الاجتهاد) مع تلميذيه السيد المرتضى والشيخ الطوسي ويؤسسوا بذلك المدرسة الأصولية التي شقت طريقها في الحياة منذ ذلك الحين.[16]

    وقد كان فتح باب الاجتهاد خطوة كبيرة للخروج من الأزمة ، وملأ الفراغ التشريعي الذي حدث للشيعة الامامية بعد وفاة الأمام الحسن العسكري وغيبة أو افتقاد الأمام الثاني عشر ، وذلك في ظل القول بحصر العمل التشريعي بالأئمة المعصومين الذين يرتبطون بمصادر العلم الإلهي الحقيقي ، وعدم جواز اللجوء آلي الطرق الظنية والإمارات كالقياس والاجتهاد وما شابه ، لمعرفة الأحكام الشرعية . وقد أدى فتح باب الاجتهاد بالشيعة الى التحرر من نظرية (التقية والانتظار) و إعادة النظر في كثير من أبواب الفقه المعطلة بسبب نظرية (الغيبة) ، و ملاحقة التطورات والإجابة على المسائل الحادثة ، كما أدى الى حدوث تطورات جذرية في الفكر الامامي والتخلي عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الأمام ، والقول بجواز الحكومة لغير المعصوم أو وجوبها ، واستنباط نظرية (ولاية الفقيه) وغيرها من النظريات التي أعادت الشيعة الى مسرح الحياة.

  والى جانب العمل العظيم الذي قام به الفقهاء الامامية في مطلع القرن الخامس الهجري ، وهو فتح باب الاجتهاد ، قاموا أيضا باستنباط نظرية أو فرضية كان لها دور كبير في مستقبل الفكر السياسي الامامي ، وهي:( فرضية النيابة الواقعية للفقهاء عن الأمام المهدي ). خاصة في مجال القضاء،  حيث فتحت هذه الفرضية نافذة تطورت مع مرور الزمان وأدت الى تخلي الامامية عن شرط العصمة والنص في الإمام ، وبالتالي التخلي عن الالتزام بنظرية (التقية والانتظار للامام الغائب) والقول بنظرية (ولاية الفقيه) .

    ومن المعلوم ان القضاء يعتبر من أهم أعمال الدولة ، ولما كان الشيعة الامامية يحصرون الدولة الشرعية في الدولة التي يقودها (الأمام المعصوم المعين من قبل الله) فانهم قد حرموا ممارسة القضاء لغير الإمام المعصوم ، ولكنهم رووا عدة روايات تجيز للفقهاء الشيعة ممارسة ذلك بالنيابة عن (الأئمة المعصومين). مثل:

 1 - مقبولة عمر بن حنظلة عن الأمام الصادق (ع) التي يقول فيها :"انظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما".  

2 - مشهورة أبى خديجة عن الأمام الصادق أيضا :"انظروا آلي رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فتحاكموا اليه" .  

    وقد تم استعارة هذه الأذونات العامة الصادرة في عهد حضور الأئمة ، والحكم بجواز ممارسة القضاء في عهد (الغيبة) للفقهاء من الشيعة ، وذلك للتشابه بين الحالتين وهو عدم سيطرة الأئمة وممارستهم للحكم ، وحل الشيعة الامامية بذلك مشكلة القضاء في عصر الغيبة.

    وقد استنبط الشيخ المفيد من تلك الروايات :( فرضية النيابة الواقعية عن الأمام المهدي). فقال في كتاب:(المقنعة ، كتاب الحدود) :"ان الأئمة قد فوضوا اليهم (الفقهاء) النظر في القضاء مع الإمكان " وأضاف:" ومن تأمر على الناس من أهل الحق بتمكين ظالم له وكان أميرا من قبله في ظاهر الحال ، فإنما هو أمير في الحقيقة من قبل (صاحب الأمر) الذي سوغه ذلك وأذن له فيه دون المتغلب من أهل الضلال" .[17]

  وهكذا قال فقهاء آخرون كالمقدس الاردبيلي ( - 993 هـ)  والشيخ جعفر كاشف الغطاء ( - 1227 هـ)  والشيخ محمد حسن النجفي ( - 1266 هـ)  بضرورة افتراض النيابة عن الإمام الثاني عشر الغائب لدى تولي القضاء، وكانت آراؤهم هذه في باب الحدود متميزة عن آرائهم في الأبواب الأخرى التي كانوا يلتزمون فيها بنظرية :(التقية والانتظار) ، وكانت وسيلة كبرى ساعدتهم على الخروج من سائر المرافق الأخرى ، وكانت " فرضية النيابة الحقيقية" التي اقترح بعض العلماء افتراضها عند إجبار الحاكم الظالم للفقيه أو لغيره على إقامة الحدود ، قاعدة أساسية لتطوير نظرية (النيابة العامة) و (ولاية الفقيه) فيما بعد.

    وإذا كانت نظرية :(التقية والانتظار) تحرم الثورة والدولة في عصر الغيبة ، وتحدد - تبعا لذلك - قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمراتب الدنيا القلبية والإعلامية ، وترفض استخدام القوة المؤدية إلى الجرح أو القتل في غياب دولة (الإمام المهدي) الشرعية الوحيدة الممكنة .. فان الالتزام بهذه النظرية في عصر الغيبة ولمدة طويلة كان يبدو صعبا جدا ، ومن هنا فقد تخلى الشيعة عمليا وتدريجيا عن نظرية :(التقية والانتظار) واخذوا يبنون دولهم المستقلة هنا وهناك . وكان لا بد ان يطور الفقهاء قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويخففوا من الشروط التعجيزية التي تحول دون تنفيذه . وربما كان أول من حاول الخروج من كهف الغيبة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السيد المرتضى الذي نقل عنه الطوسي في:(الاقتصاد) قوله بجواز ممارسة القتل والجرح في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عصر الغيبة بلا حاجة إلى استئذان الإمام.

   وقد تبعه بعد ذلك حمزة بن عبد العزيز الديلمي (سلار)  و محمد بن إدريس ، صاحب (السرائر) والعلامة الحلي ويحيى بن سعيد، والمقدس الاردبيلي ، والشيخ محمد حسن الفيض الكاشاني، وآخرون.  

   ومع تبلور نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي ) أو (ولاية الفقيه) فقد قوي القول بجواز القتل والجرح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بإذن الفقيه الولي أو" نائب الإمام".

  هذا في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما في موضوع الجهاد الابتدائي ، فانه بالرغم من تحرر الفقهاء الشيعة الامامية من نظرية :(التقية والانتظار) خلال القرون الأخيرة وفي كثير من المجالات ، فان الموقف العام ظل سلبيا ولم يحدث تطور يذكر إلا في السنوات الأخيرة . ولم أجد من يتحدث عن جواز الجهاد في عصر الغيبة سوى السيد محمد الحسيني الشيرازي الذي كان يقول بنظرية (ولاية الفقيه) .[18]

  وقد تقدم الشيعة الامامية الاثنا عشرية خطوة أخرى الى الأمام، على طريق التحرر من نظرية انتظار الإمام الغائب (الثاني عشر)، وذلك عبر تطوير حكم الخمس من الإباحة الى الوجوب.  وقد تم الانسحاب من القول بالإباحة في وقت مبكر ، خطوة .. خطوة ..

   وكانت الخطوة الأولى هي القول بوجوب الخمس في عصر الغيبة ، مع القول بدفنه أو الاحتفاظ به حتى ظهور المهدي ، أو الايصاء به بعد الموت من واحد إلى واحد حتى يوم الظهور.

  وكانت الخطوة الثانية هي القول بتسليم الخمس إلى الفقهاء للاحتفاظ به حتى ظهور الإمام المهدي. ثم القول بجواز قيامهم بتوزيعه بأنفسهم على المحتاجين.

    وقام الشيخ حسن الفريد ( 1319 – 1417هـ) بثورة في باب الخمس عندما سلب حق الخمس من الإمام المهدي لغيبته وعدم قيامه بمهام الإمامة ، وقال بضرورة قيام واحد من الناس باستلام الخمس وتوزيعه من باب الحسبة ، لأنه من الأمور الحسبية التي لا محيص عن وقوعه في الخارج ولم يعين للقيام به في غيبة الإمام شخص أو صنف خاص .[19]

    ومع تطور نظرية ولاية الفقيه كان لا بد ان يتطور حكم صلاة الجمعة، ويتغير من التحريم الى الوجوب أو الجواز. فقد حاول عدد من الفقهاء التحرر من نظرية (الانتظار) التي كانت تشترط إذن الإمام المعصوم الغائب، والعودة الى القرآن الكريم الذي يأمر بإقامتها بصورة مطلقة ولا يشترط لذلك أية شروط ، ولا يربطها بالإمام (المعصوم) الغائب .

    ورغم ادعاء ابن إدريس الحلي :إجماع الشيعة الامامية على تحريم إقامتها في عصر الغيبة. فقد قام عدد من الفقهاء بنقض الموقف السلبي منها، وربما كان المحقق الحلي أول من حاول الخروج من نظرية (الانتظار) في باب صلاة الجمعة ، حيث قال باستحباب إقامتها عند إمكانية الاجتماع.[20] وكسر بذلك حاجز الإجماع المدعى على التحريم .

   ومع بروز نظرية (نيابة الفقيه العامة ) في القرن السابع والثامن الهجريين، وجد بعض العلماء فيها مخرجا للهروب من نظرية (الانتظار) فقالوا بجواز إقامة الفقهاء للجمعة باعتبارهم نوابا عامين للإمام المهدي. وهو ما مهد السبيل أمام فقهاء آخرين ليقولوا بالوجوب، خاصة بعد قيام الدولة الصفوية في بلاد فارس.

    و حاول الشهيد الثاني ( - 965 هـ)  ان يتحرر من عقدة (إذن الأمام) في وجوب صلاة الجمعة ، وان يحصر ذلك في زمان حضور الإمام ، وان يسقط ذلك في عصر الغيبة ، من الأساس ، وانتقد   في رسالة له حول ضرورة صلاة الجمعة،  حالة التقليد الأعمى وتهديم الدين بالشبهات ، وشنّ هجوما عنيفا على الذين يتهاونون في صلاة الجمعة ، واشتكى بحرقة وحسرة من القائلين بتحريمها ،  وقال:" اتفق علماء الإسلام في جميع الإعصار وسائر الأمصار والأقطار على وجوب صلاة الجمعة على الأعيان في الجملة ، وإنما اختلفوا في بعض شروطها … ومع ذلك فالحث على فعلها والأمر به بضروب التأكيد في الكتاب والسنة لا يوجد مثله في فريضة البتة".[21]

   وهكذا قام الشهيد الثاني بخطوة كبيرة نحو الأمام في سبيل التحرر من نظرية : (الانتظار) ، وذلك بتحليله أو إيجابه إقامة صلاة الجمعة في عصر الغيبة حتى لغير الفقيه.

   و منذ إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران، بدء الشيعة الامامية الاثنا عشرية يقيمون صلاة الجمعة هنا وهناك بشكل واسع.  

 

تطور النظريات السياسية الشيعية في عصر الغيبة

     لقد كانت تلك محاولات جريئة للخروج من أزمة :(الانتظار للإمام المهدي) التي وقع بها الامامية، نتيجة قولهم باشتراط العصمة والنص في الإمام ، وافتراض وجود الإمام المعصوم الغائب . وقد نجحوا فيها نجاحا كبيرا حيث استطاعوا فتح باب الاجتهاد والسماح بتنفيذ الحدود وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الخمس والزكاة وإجازة أو إيجاب صلاة الجمعة في (عصر الغيبة) ، تلك الأمور التي جمدوها في البداية انتظارا لخروج (الإمام المهدي) "الحاكم الشرعي الوحيد الذي يحق له إقامة الدولة الإسلامية".

   وقد كانت تلك المحاولات متفرقة ومتدرجة بابا .. بابا ، وجزءا .. فجزءا .. ولكنها لم ترقَ لتعالج المشكلة من جذرها ، حيث لم تبحث موضوع (الإمامة ) و ( الغيبة) من الأساس. ومع ذلك فقد حاول العلماء تطوير نظرية سياسية بديلة عن الإمامة والإمام المهدي ، وذلك بافتراض النيابة الواقعية أو الحقيقية عن الإمام الغائب في مجال الحدود. وقد تطورت هذه النظرية البسيطة الافتراضية التي ولدت في بداية القرن الخامس الهجري لتصبح نظرية سياسية متكاملة في نهاية القرن الرابع عشر تحت اسم (ولاية الفقيه).

  نظرية : (النيابة الملكية )

   وبينما كانت نظرية (النيابة العامة) تنمو ببطء وبصورة جزئية ومحدودة ، على أيدي علماء الحلة وجبل عامل في القرن السابع والثامن الهجريين ، كان الواقع الشيعي السياسي يتطور بعيدا عن الفكر الإمامي.. حيث انفجرت ثورة (السربدارية) في نيسابور ، وأقامت دولة دامت خمسين عاما من سنة 738هـ الى سنة 782هـ ، كما قام الشيعة بتأسيس دولة لهم في مازندران وخوزستان وجنوب العراق.

   ثم انفجرت حركة جديدة في تبريز على أيدي الصفويين  بقيادة  إسماعيل بن صفي الدين بن حيدر الذي أعلن قيام الدولة الصفوية  سنة 907 هـ ، الا انه كان يفتقد الى نظرية سياسية شيعية شرعية. حيث لم تكن نظرية النيابة العامة للفقهاء الافتراضية، قد تطورت بعد الى مستوى إقامة الدولة.

   وعندما أراد الصفويون التحرك العسكري لإقامة دولة خاصة بهم.. وجدوا نظرية الانتظار غير معقولة ولا واقعية ، وتشكل حجر عثرة أمام طموحهم وتحركهم.. وبالرغم من انهم كانوا منذ فترة قد أعلنوا التمسك بالمذهب الامامي الاثني عشري ، إلا انهم في الحقيقة لم يستوعبوا نظرية (الإمامة الإلهية) التي تشترط العصمة والنص في الإمام ، وحولوها الى نظرية تاريخية ، ورفضوها عمليا .. حيث أجازوا لزعمائهم وهم غير معصومين ولا منصوص عليهم من الله ، ان يستولوا على الملك ويقوموا بمهام الإمامة تماما كما فعل الأمويون والعباسيون والعثمانيون . و لم يصعب عليهم الالتفاف على نظرية الانتظار وتجاوزها.

 واختلفت تجربة الدولة الصفوية في مرحلتها الأولى (أيام الشاه إسماعيل بن صفي الدين) عن التجارب السياسية الشيعية السابقة كالدولة البويهية والسربدارية والمرعشية والمشعشعية ، في ان هذه التجارب كانت دولا سياسية بحتة ، أي غير أيديولوجية ، بينما حاولت الدولة الصفوية تقديم نفسها كدولة عقائدية ومرتبطة بالأئمة الاثني عشر بصورة روحية غيبية. ولذلك فإنها كانت تشكل تطورا انقلابياً في الفكر السياسي الشيعي ، نقل الشيعة من نظرية الانتظار السلبية الانعزالية الى سدة الحكم والسلطنة. وقد طور الشاه إسماعيل ، أو تطور على يديه ، فكر سياسي جديد حاول الالتفاف على فكر (التقية والانتظار) فادعى ذات يوم انه اخذ إجازة من (صاحب الزمان : المهدي المنتظر ) بالثورة والخروج ضد أمراء التركمان الذين كانوا يحكمون إيران ، وبينما كان ذات يوم مع مجموعة من رفقائه الصوفية خارجين للصيد في منطقة تبريز ، مروا بنهر ، فطالبهم بالتوقف عنده وعبر هو النهر بمفرده ودخل كهفا .. ثم خرج متقلدا بسيف ، واخبر رفقاءه انه شاهد في الكهف ( صاحب الزمان ) وانه قال له:" لقد حان وقت الخروج وانه امسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض وشد حزامه بيده ووضع خنجرا في حزامه وقال له:" اذهب فقد رخصتك".[22]

وادعى بعد ذلك انه شاهد الأمام علي بن أبى طالب (ع) في المنام وانه حثه على القيام وإعلان الدولة الشيعية. وذلك في محاولة للتحرر من نظرية الانتظار.  وبناء على ذلك فقد كان الشاه إسماعيل يعتبر نفسه " نائب الله وخليفة الرسول والأئمة الاثني عشر وممثل الأمام المهدي في غيبته". [23]

    وقد كان بروز التجربة الصفوية نتيجة الفراغ السياسي الذي كان يهيمن على الشيعة في ظل نظرية الانتظار السلبية الانعزالية ، في تلك الأيام.

   ولما كانت دعاوى الشاه إسماعيل بالنيابة والخلافة عن الإمام المهدي الغائب خطيرة، ومنافسة لدور الفقهاء الشيعة، فقد تصدى له الشيخ المحقق علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي  الذي طور نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الأمام المهدي) من نظرية جزئية محدودة غير سياسية .. الى نظرية سياسية متقدمة، وادعى بأنه نائب الإمام المهدي وانه صاحب الحق الشرعي الوحيد في الحكم. واستطاع ان يؤثر على الشاه طهماسب بن إسماعيل فيدفعه للتسليم بمكانته كنائب عام عن الإمام المهدي، وطلب الإجازة منه لممارسة السلطة.[24]

  وقد لقي تحالف الشيخ الكركي مع الدولة الصفوية معارضة شديدة من قبل عدد كبير من العلماء كالشهيد الثاني والمقدس الاردبيلي والشيخ إبراهيم القطيفي والملا محمد أمين الاسترابادي والملا محمد طاهر القمي ، وغيرهم من الفقهاء ، وذلك لأن نظرية (النيابة العامة) لم تكن قد تطورت لتحل محل نظرية:(الإمامة الإلهية) وإنما كانت لا تزال محدودة وجزئية ، وتقتصر على الفتيا وتنفيذ بعض الأمور الاجتماعية والاقتصادية والعبادية.

 

 ومع ذلك فان نظرية (إجازة الملوك ) لم تمنح نظام الحكم الشرعية الكاملة ، حيث ظل الفقهاء يعتبرون الملوك غاصبين لحق الإمامة الخاص بالأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى، وظل عامة الفقهاء حتى الذين تعاونوا مع الدولة الصفوية أو خليفتها: القاجارية ، متأثرين بنظرية (الانتظار) في عدة جوانب . وهذا ما أدى لاحقاً الى تطورات مختلفة لدى الفقهاء والملوك من اجل تطوير الفكر السياسي وحل عقدة الشرعية المزمنة في الفكر السياسي الشيعي في ظل (الغيبة) .

    ومع تطور الواقع السياسي الشيعي، ووجود الشك بصحة نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي) بادر بعض الفقهاء الى الدعوة الى بناء نظام سياسي مدني معقول، فاقترح  السيد محمد باقر السبزواري ( 1018هـ - 1090 هـ ) تأسيس نظام ملكي مستقل ، وحاول الالتفاف على نظرية الغيبة والانتظار التي تشترط العصمة والنص في الإمام فقال:"لا يخلو زمان من حجة ، ولكن في بعض الأوقات يغيب عن أبصار الناس لأسباب ومصالح ، ولكن العالم ليس بعيدا عن ألطافه وبركاته… ونحن الآن في هذه الدورة من الغيبة إذا لا يوجد سلطان عادل وقوي يدير العالم ويحكمه ، فان الأمور تنتهي الى الفوضى والهرج والمرج وتصبح الحياة غير قابلة للتحمل بالنسبة لكل شخص ، لذلك لا بد للناس من الخضوع تحت سيطرة ملك يحكم بالعدل ويتبع سيرة وسنة الإمام".[25]

رد فعل الاماميين (الإخباريين)

   وقد أدى قيام الدولة الصفوية ، في القرن العاشر الهجري ، وتطوير نظرية (النيابة العامة للفقهاء) إلى نظرية سياسية  .. أدى ذلك إلى حدوث انشقاق عميق وعنيف في المجتمع الشيعي الامامي الاثني عشري.. وهو ما عرف بالصراع الاخباري - الأصولي ، الذي امتد عدة قرون. ولم يكن هذا الصراع يدور حول أمر جزئي بسيط.. وإنما كان يتعلق بأمر أساسي يدخل في موضوع الهوية العقائدية.. وكان في حقيقته صراعا بين المحافظين والمجددين.. بين الخط الامامي المتمسك بنظرية (الانتظار) بالتحديد ، وبين الخط الشيعي المتحرر من شروط الإمامة المتصلبة كالعصمة والنص ، والمتحرر من نظرية (الانتظار) .

   كان الفكر الامامي يعطي للإمام مهمتين رئيسيتين هما : التشريع والتنفيذ وقيادة المسلمين، ويحصر مهمة الإمامة في (الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله) ولا يجيز لأي شخص غيرهم ان يقوم بشيء من ذلك.. وعندما اضطر بعض العلماء ، في القرن الخامس الهجري ، إلى فتح باب الاجتهاد، اعتبر الاخباريون (أو الاماميون القدماء ) اللجوء إلى الاجتهاد خروجا عن الخط الامامي لأنه يهدم ركنا رئيسيا من أركان نظرية الإمامة التي تشترط العلم الإلهي في أحكام الدين ، وتحصر عملية التشريع والإفتاء في (الإمام المعصوم العالم من الله) .  وعندما قام العلماء المتأخرون بالقول بنظرية (النيابة العامة السياسية) اعتبر الاخباريون (أو بالأحرى : الاماميون) العمل السياسي وإقامة الدولة وممارسة مهامها اغتصابا لسلطات وصلاحيات (الإمام المعصوم) وتهديما للركن الثاني الأساسي من أركان نظرية (الإمامة الإلهية) وهو (التنفيذ). ومن هنا كانت معارضة الاخباريين مرتكزة على قاعدة نظرية الإمامة التي تحرم التشريع والتنفيذ خارج دائرة (الإمام المعصوم) وكان الاخباريون يعتبرون (المجتهدين ) وأصحاب نظرية ( النيابة العامة أو ولاية الفقيه) خارجين من المذهب الإمامي ..

نظرية ولاية الفقيه

  شهد القرن الثالث عشر الهجري ، وخاصة بعد سقوط الدولة الصفوية، انتعاش المد الأصولي وقيام العلماء هنا وهناك بتطبيق الحدود وممارسة القضاء والإفتاء وتولي أمور الرعية والتصرف في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء وتقسيم الخمس والزكوات وممارسة مهمات الحكومة الأخرى.

    وهذا ما دل على تطور نظرية (النيابة العامة) من إجازة الملوك إلى تصدي الفقهاء بأنفسهم للحكم، وتجاوز نظرية (الانتظار) والتخلي عنها تماما.. الأمر الذي دفع الشيخ احمد بن محمد مهدي النراقي (توفي 1245هـ ) إلى طرح النظرية في إطار جديد وشامل اكثر تطورا ، تحت عنوان :(ولاية الفقيه) وليس تحت العنوان السابق :(النيابة العامة) القائمة على قاعدة نظرية (الغيبة والانتظار) ، حيث نظر النراقي إلى واقع قيام الفقهاء بتشكيل حكومات لا مركزية في بلاد شيعية واسعة مما ينفي أدنى مبرر لاستمرار نظرية (الانتظار) أو القول المحدود الاستثنائي بقيام الفقهاء بتغطية بعض الجوانب الجزئية من الحياة ، وبحث النراقي في كتابه :(عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام)  مشكلة الإمامة أو السلطة و الولاية العامة وضرورتها في (عصر الغيبة) وذلك على نفس الأسس الفلسفية والمبادئ التي توجب (الإمامة ) للأئمة المعصومين . [26]

      وقد كانت نظرية الشيخ النراقي تتألف من قسمين هما: أولا : ضرورة الإمامة في عصر الغيبة ، وثانيا: حصر الإمامة في الفقهاء.. وبغض النظر عن مناقشة القسم الثاني ، فان القسم الأول من نظريته يرفض القبول بنظرية (الغيبة) وفائدة الإمام الغائب كإمام ، ويحتم استمرار الإمامة .. ويؤكد الحاجة الملحة لوجود الإمام الحجة العالم المعلم الهادي والداعي إلى سبيل الله بصورة ظاهرةٍ حيويةٍ متفاعلة مع الأمة . [27]

   ولما كانت نظرية (الإمامة) أو (وجود الإمام الثاني عشر الغائب) تعجز عن تلبية حاجة الأمة المستمرة للإمام فان النراقي يتخلى مضطرا عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية في الإمام ، ويأتي بكل أدلة ضرورة الإمامة التي كان يستخدمها المتكلمون الاماميون الأوائل ومن ضمنها حديث الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا ، الذي يتحدث عن ضرورة الإمامة والعصمة ، فيأخذ النراقي الشطر الأول ويلغي (العصمة) ويكتفي بشرط الفقاهة والعدالة.

   ويعتمد النراقي كثيرا على الأدلة العقلية والإطلالات العامة التي تحتم إقامة الدولة بصورة مستقلة ، وليس بالضرورة : بالنيابة العامة عن الإمام المهدي.. إذ ان قيام الفقهاء بمهام الإمامة الكبرى - ولو بالنيابة - يتناقض مع اشتراط العصمة والنص في الإمام ، خاصة مع انتفاء ظروف التقية والخوف التي تجبر الإمام على الاختباء .

    ومن هنا يمكن اعتبار نظرية النراقي حول (ولاية الفقيه) تطورا جذريا في الفكر الشيعي السياسي نحو التحرر من نظرية (الإمامة الإلهية ) اكثر من التحرر من نظرية (الانتظار) .. وإذا كانت نظرية: (ولاية الفقيه) قد تعرضت منذ ذلك الحين إلى مناقشات حامية من قبل عدد من العلماء والمحققين ، فأنها نجحت في طرح موضوع (الإمامة ) على بساط البحث ، وجاء العلماء من بعد ذلك ليبحثوا المسألة في ضوء الحاجة الماسة والمستمرة إلى الإمامة والقيادة العامة في (عصر غيبة الإمام الذي لا يقوم بمهام الإمامة ). كما فعل الشيخ رضا الهمداني ( - 1310هـ) الذي أسمى نظرية ولاية الفقيه  بـ :( القائمقامية ) وذهب  في :(مصباح الفقيه) الى :" ثبوت منصب الرياسة والولاية للفقيه ، وكون الفقيه في زمان الغيبة بمنزلة الولاة المنصوبين من قبل السلاطين على رعاياهم في الرجوع إليه ، وإطاعته فيما شأنه الرجوع فيه إلى الرئيس" .[28]  وكما فعل الشيخ محمد حسن النائيني نظريته في (المشروطية ) على أساس استحالة التفاف الأمة حول الإمام المهدي المنتظر الغائب و عدم وجود الأئمة المعصومين ، وحاجة الأمة إلى قيادة مشروطة بمجلس منتخب منها.

   أما الإمام الخميني فقد مهد لنظرية :(ولاية الفقيه) بالحديث عن ضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وقال :"ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع)".  وقال: "… أما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة ، وان لم تجعل لشخص خاص ، لكن يجب بحسب العقل والنقل ان تبقيا بنحوٍ آخر، لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك ، لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي… والعلة متحققة في زمن الغيبة ، ومطلوبية النظام وحفظ الإسلام معلومة لا ينبغي لذي مسكة (عقل) إنكارها".[29]

  الحركة الديموقراطية الإسلامية

    وبينما كان الفقهاء الاماميون في النصف الأخير من القرن الثاني عشر الهجري (القرن التاسع عشر الميلادي) يتناقشون حول (ولاية الفقيه) وحدودها السياسية ، فيثبتها بعضهم كالنراقي ويرفضها بعض آخر كالشيخ مرتضى الأنصاري ، كان الملوك القاجاريون يعززون من سلطتهم في إيران ويوسعون صلاحياتهم بلا حدود ، مما سمح للشاه ناصر الدين (1848م - 1896م) بتوقيع اتفاقية جائرة لحصر بيع وشراء التنباك مع شركة بريطانية استعمارية كادت تؤدي إلى هيمنة بريطانيا على إيران. وهذا ما اضطر   مرجع ذلك العصر :( الميرزا محمد حسن الشيرازي) الذي كان يقطن مدينة سامراء في العراق ، للإفتاء بحرمة استعمال التنباك بأية صورة زراعة وشراء وبيعا وتدخينا، وذلك في سنة 1309هـ / 1891م . وكان لفتواه هذه اثر كبير جدا في الشعب الإيراني الذي أطاعه بدقه تامة، مما اضطر الشاه ناصر الدين إلى إلغاء امتياز الشركة البريطانية.

   وقد فتحت تلك المواجهة ملف شرعية الملكية المستبدة في إيران، فانخرط بعض العلماء  المشاركين في حركة إسقاط التنباك ، في حركة جديدة متواصلة من اجل تطوير النظام السياسي الإيراني وإصلاحه، وبناء نظام ديموقراطي، وتحديد صلاحيات الملك المطلقة بمجلس شورى منتخب من الشعب ، وطالبوا ان يحكم الملك حكما دستوريا (مشروطا) بالبرلمان. وكان على رأسهم الشيخ الآخوند  كاظم الخراساني .

   واستطاع التيار الديموقراطي الإسلامي، بعد معركة طويلة، ان ينتصر ويقيم أول مجلس برلماني دستوري في إيران سنة 1906م . وقد شكل ذلك تطورا في الفكر السياسي الشيعي الذي لم يكن قد وصل - شعبيا - بعد إلى مرحلة (ولاية الفقيه). وقد اصبح دستور 1906م أساسا لنظام الجمهورية الإسلامية الذي قام سنة 1979م ، واستبدل الملك برئيس الجمهورية ، وأعطى للفقيه (الولي) صلاحيات اكبر، استنادا إلى نظرية (ولاية الفقيه ) .

   وكان هناك من ينادي باستبدال النظام الملكي بالنظام الجمهوري ، كالسيد جمال الدين الاصفهاني الذي أعلن خلال الثورة ضد مظفر الدين سنة 1905م : ان نظام الحكم الأقرب للإسلام هو النظام الجمهوري ، وأيد ذلك بآيات من القرآن الكريم .[30]

   لقد كان الفكر السياسي الشيعي في هذه المرحلة واقعيا ومتطلعا نحو الأفضل في تعامله مع مسألة السلطة ، فبعد تخليه عن نظرية (الإمامة الإلهية) المثالية التي لم يكن لها وجود في الخارج ، ورفضه لوليدتها ولازمتها: نظرية (الانتظار للإمام الغائب) انطلق الفكر الشيعي الذي كان قد قبل بمبدأ قيام الدولة في (عصر الغيبة) منذ العهد الصفوي.. انطلق في هذه المرحلة ليطور نظرية السلطة والدولة ويُشرك العلماء ونواب الشعب في إدارة البلاد. وقد عبر هذا الفكر عن نفسه بقلم أحد أبنائه وهو الشيخ محمد حسين النائيني في كتابه:( تنبيه الأمة وتنزيه الملة) الذي يعتبر قمة الفكر السياسي الشيعي في بداية القرن العشرين..

   وقد أكد النائيني على ان اصل الحكومة الإسلامية يقوم على  الشورى، وان السلطة حق من حقوق عامة الناس ، وأشار الى عجز الأمة عن الالتفاف حول الإمام المهدي المنتظر الغائب ، وعدم  وجود الأئمة المعصومين، مما يفتح الطريق أمام الأخذ بالنظام الديموقراطي أو الشورى.[31]

    لم تصمد نظرية ( الحكم الملكي الدستوري) التي أقامها الفقهاء الشيعة في إيران طويلا ، فسرعان ما قام الشاه رضا بهلوي بانقلاب عسكري ، ونصب نفسه ملكا على إيران دون استشارة من الفقهاء المراجع ، بل قاد حملة شعواء ضد رجال الدين، وهذا ما دفع الفقهاء المراجع إلى مقاومته بشدة.

  وفي سنة 1963 قاد الإمام الخميني انتفاضة ضد الشاه محمد رضا بهلوي ، انتهت بتسفير الإمام إلى العراق .. وهناك راح الإمام الخميني يلقي دروسه على طلبته ويطور نظرية سياسية جديدة تجمع بين نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي الغائب) و نظرية:(ولاية الفقيه) لينقل الفكر السياسي الشيعي من مرحلة إجازة الفقهاء للملوك للحكم باسمهم ووكالة عنهم إلى مرحلة جديدة هي حكم الفقهاء المباشر وممارسة مهمات الإمامة بصورة كاملة. وقد شكلت تلك الدروس القاعدة الفكرية التي قامت عليها الثورة الإسلامية وانتهت بتشكيل (الجمهورية الإسلامية الإيرانية ) عام 1979.

الخميني ينقد نظرية الانتظار

   رفض الإمام الخميني في البداية نظرية (الانتظار للإمام المهدي ) التي كانت تهيمن على الفكر السياسي الشيعي حتى وقت قريب ، رفضا مطلقا ، واسقط بالأدلة العقلية الأحاديث التي كانت تحرم العمل السياسي في ظل (الغيبة) ، ولم يعبأ بها ، وكتب يقول :" بديهي .. ان ضرورة تنفيذ الأحكام لم تكن خاصة بعصر النبي (ص) بل الضرورة مستمرة.. واعتقاد: ان الإسلام قد جاء لفترة محدودة أو لمكان محدود يخالف ضروريات العقائد الإسلامية ، وبما ان تنفيذ الأحكام بعد الرسول (ص) والى الأبد من ضروريات الحياة ، لذا كان وجود حكومة فيها مزايا السلطة المنفذة المدبرة ضروريا ، إذ لولا ذلك لساد الهرج والمرج… فقد ثبت بضرورة الشرع والعقل: ان ما كان ضروريا أيام الرسول (ص) وفي عهد الإمام أمير المؤمنين (ع) من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا. ولتوضيح ذلك أتوجه إليكم بالسؤال التالي: قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي اكثر من ألف عام ، وقد تمر عليه ألوف السنين قبل ان تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر، وفي طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس خلالها ما يشاءون؟.. ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام ؟ هل ينبغي ان يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء ؟". وأضاف:"ان الذهاب إلى هذا الرأي أسوء في نظري من الاعتقاد بان الإسلام منسوخ ، فلا يستطيع أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ان يقول: انه لا يجب الدفاع عن ثغور الإسلام والوطن ، أو انه يجوز الامتناع عن دفع الزكاة والخمس وغيرهما ، أو يقول بتعطيل القانون الجزائي في الإسلام وتجميد الأخذ بالقصاص والديات ، إذن فان كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ الإسلام ، ويدعو إلى تعطيل أحكامه وتجميدها ، وهو بالتالي ينكر شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف". وخاطب الإمام الخميني الملتزمين بنظرية (الانتظار) قائلا :" لا تقولوا ندع إقامة الحدود والدفاع عن الثغور وجمع حقوق الفقراء حتى ظهور الحجة (الإمام المهدي) فهلا تركتم الصلاة بانتظار الحجة؟!".

    ثم استشهد على ضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وقال :" ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر(ع) " . [32]

   وبعد إثبات الإمام الخميني للحاجة المستمرة إلى الإمامة في ( عصر الغيبة ) وعدم جواز تجميدها انتظارا للإمام المهدي ، عقلا ونقلا ، توصل الى ضرورة إقامة الدولة بقيادة من تتوفر فيه خصائص الإمامة من العلم بالقانون والعدالة.

  وتحدث الإمام الخميني عن التشابه بين الفقيه والإمام المعصوم فقال:" للفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (ع) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة ، ولا يعقل الفرق ، لأن الوالي - أي شخص كان - هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والأخذ للخراج وسائر الماليات والتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين… ومع اقتضاء المصالح يأمرون الناس بالأوامر التي للوالي ويجب إطاعتهم..فولاية الفقيه - بعد تصور أطراف القضية - ليست أمرا نظريا يحتاج إلى برهان ، ومع ذلك دلت عليها بهذا المعنى الواسع روايات".[33]  

واعتبر الإمام الخميني الفقهاء أوصياء للرسول (ص) من بعد الأئمة وفي حال غيابهم ، وقد كلفوا بجميع ما كلف الأئمة (ع) بالقيام به .[34]   

    وكان الإمام الخميني يؤمن نتيجة لبعض الروايات ان ولاية الفقيه ولاية دينية إلهية و يقول:" ان الله جعل الرسول (ص) وليا للمؤمنين جميعا ، ومن بعده كان الإمام وليا ، ونفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه " .[35] ويقول :" إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فانه يلي من أمر المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم ، ووجب على الناس ان يسمعوا له ويطيعوا ، ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول (ص) واميرالمؤمنين (ع) على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة …وقد فوض الله الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة نفس ما فوضه إلى النبي (ص) واميرالمؤمنين (ع) من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات وتعيين الولاة والعمال وجباية الخراج وتعمير البلاد ، غاية الأمر ان تعيين شخص الحاكم الآن مرهون بمن جمع في نفسه العلم والعدل". [36]

  وكان يحصر الحق في إقامة الدولة في (عصر الغيبة) في الفقهاء فقط ، ويقول:" الفقهاء العدول وحدهم المؤهلون لتنفيذ أحكام الإسلام واقرار نظمه وإقامة حدود الله وحراسة ثغور المسلمين ، وقد فوض إليهم الأنبياء جميع ما فوض إليهم ائتمنوهم على ما أؤتمنوا عليه" .[37]

 

 الولاية المطلقة

  ونظرا لإيمان الخميني بأن ولاية الفقيه مستمدة من الله، فقد طرح بعد حوالي عشرة أعوام من إقامة  (الجمهورية الإسلامية في إيران ) نظرية (ولاية الفقيه المطلقة) التي لا تحدها حدود، وجاء في رسالة له الى رئيس الجمهورية:" ان الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم (ص) مقدمة على جميع الأحكام الفرعية الإلهية… ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب ان تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام (ص) وان تصبح دون معنى ..لا بد ان أوضح : ان الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة ، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام ، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج… ان باستطاعة الحاكم ان يعطل المساجد عند الضرورة ، وان يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع ان يعالجه بدون التخريب. وتستطيع الحكومة ان تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب ، إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام. وتستطيع ان تقف أمام أي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضرا بمصالح الإسلام ، مادام كذلك. ان الحكومة تستطيع ان تمنع مؤقتا وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي - إذا رأت ذلك- ان تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية".[38]

 وكانت هذه الرسالة تطورا كبيرا في نظرية :(ولاية الفقيه) باتجاه الشمولية والإطلاق ، وقفزة كبيرة في توسيع الولاية، وهي تتحدث عن صلاحيات مشابهة لصلاحيات الرسول الأكرم والأئمة المعصومين ، للفقيه بحكم منصب الولاية والسلطان. وقد توصل الإمام الخميني الى ذلك بالجمع بين نظرية (النيابة العامة) و نظرية (ولاية الفقيه) وتطويرهما بحيث تصبحان نظرية واحدة مطلقة.

 

   ان الحديث عن "النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي" في "الغيبة الكبرى" هو فرع لثبوت "النيابة الخاصة" التي ادعاها "الوكلاء الأربعة" في فترة "الغيبة الصغرى". وان القول بذلك يبتنى على القول بوجود وولادة "الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري" ووجود غيبتين له، وإذا لم نستطع التأكد من وجود هذا "الإمام" فان تلك النظرية تتلاشى بالطبع من باب الأولى.

   ونظرا للغموض الذي لف موضوع الخلف للإمام العسكري، والحيرة التي عصفت بالشيعة الامامية الاثني عشرية، والشك الذي أحاط بدعاوى النيابة الخاصة عن الإمام الغائب، فان نظرية النيابة العامة لم تكن معروفة لدى الشيعة الامامية في بداية "الغيبة الكبرى" التي يقال أنها ابتدأت بعد وفاة "النائب الرابع : علي بن محمد الصيمري". بل ان الشيعة الأوائل (في القرن الرابع) اعتبروا النيابة العامة التي توازي الإمامة أو ولاية الفقيه متناقضة تماما مع نظرية الإمامة، لأنها  تسقط شرطي العصمة والنص في الإمام، وإنما هي نظرية ظنية استنبطها بعض العلماء في وقت لاحق وطوروها عبر التاريخ ، ولم يكن لها وجود من قبل.  وقد توفي الصيمري سنة 329هـ ولم يتحدث عن "النيابة العامة" ببنت شفة، ولو كان لها أي رصيد من الواقع لتحدث عنها "الإمام المهدي" - على فرض وجوده -  بدلا من ان يترك الشيعة يتخبطون قرونا طويلة في ظلمات الحيرة .

   ومن هنا فلم يعرف الشيخ الصدوق نظرية النيابة العامة ، ولم يشر إليها أبدا بالرغم من روايته لـ : ·توقيع إسحاق بن يعقوب عن العمري عن المهدي :" وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله ". وذلك أما للشك بصحة " التوقيع " المروي عن مجهول هو (إسحاق بن يعقوب) واما لعدم دلالته على "النيابة العامة" خاصة وانه يتحدث عن الرجوع إلى الرواة في ظل "النيابة الخاصة" وفي أيام "السفير الثاني : العمري" . وإذا كانت النيابة الخاصة المتصلة - حسب الفرض - بالإمام المهدي محدودة وغير سياسية ، فكيف يمكن ان يفهم من "التوقيع"  معنى اكبر وأوسع منها ؟.

    لقد كان أول من تحدث عن تفويض الأئمة للفقهاء في مجال إقامة الحدود فقط هو الشيخ المفيد الذي جاء بعد الغيبة بحوالي مائة وخمسين عاما، وكان ذلك منه افتراضا اكثر منه قولا بيقين ، وقد انطلق في محاولته استنباط نظرية (النيابة العامة ) من الأحاديث السابقة (مقبولة عمر بن حنظلة ومشهورة أبى خديجة وتوقيع إسحاق بن يعقوب) التي تعطي الإذن لرواة أحاديث أهل البيت بممارسة القضاء من دون الحاجة إلى إذن خاص من الأئمة. 

   وقد أثار التطور السياسي الكبير الذي حدث في تاريخ الشيعة في العهد الصفوي في القرن العاشر الهجري، والذي نقلهم من مرحلة "التقية والانتظار" إلى مرحلة إقامة الدولة في (عصر الغيبة) بعدما ادعى (الشاه إسماعيل الصفوي) النيابة الخاصة عن الإمام المهدي .. أثار ذلك التطور جدلا واسعا في صفوف الفقهاء وفتح الباب واسعا أمام القول بنظرية "النيابة العامة" وتعزيزها بقوة ، ثم تطويرها بعد ذلك نحو حكم الفقهاء بصورة مباشرة على يدي النراقي في منتصف القرن الثالث عشر الهجري .

   وقد  اعتمد الإمام الخميني في قوله بنظرية (ولاية الفقيه) بصورة رئيسية على روايات عامة عن الرسول الأعظم (ص) مثل (الفقهاء ورثة الأنبياء و وحصون الأمة وخلفاء الرسول) واستنتج منها   معنى الوراثة والخلافة السياسية والولاية التامة للفقهاء كما كانت للرسول الأعظم (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) حسب النظرية الامامية ، وقال:" كما ان الرسول الأعظم جعل الأئمة (ع) خلفاء ونصبهم للخلافة على الخلق أجمعين ، جعل الفقهاء ونصبهم للخلافة الجزئية… وتحصل مما مر ثبوت الولاية للفقهاء من قبل المعصومين (ع) في جميع ما ثبت لهم الولاية فيه من جهة كونهم سلطانا على الأمة" .[39]  و لذلك اعتبر الخميني الفقهاء اكثر من ( نواب للإمام المهدي الغائب ) وإنما أيضا : أوصياء للرسول (ص) من بعد الأئمة ، وفي حال غيابهم ، وقد كلفوا بجميع ما كلف به الأئمة بالقيام به.[40]  واعتبر - بناء على ذلك - ولاية الفقهاء على الناس مجعولة من قبل الله كولاية الرسول والأئمة من أهل البيت ، وأنها ولاية دينية إلهية.[41]

   وقد رفض الإمام الخميني الأدلة "العقلية والنقلية" التي قدمها ويقدمها علماء الكلام الاماميون السابقون الذين كانوا يشترطون العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام ، و استخدم العقل في رفض نظرية الانتظار السلبية المخدرة التي تحرم إقامة الدولة في

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر