متى يخرج الطائفيون من كهوفهم؟

كتبها الشورى ، في 22 يوليو 2006 الساعة: 12:42 م

 

 

لو لم تكن لمبادرة حزب الله باختطاف الجنديين الإسرائيليين أية فائدة سوى عملية توحيد الأمة الإسلامية التي قامت بها، لكانت تستحق كل الدعم والتقدير رغم الدمار الهائل الذي حل بلبنان. فقد كان من الواضح في الأيام التي سبقت الاختطاف والحرب ان الأمة الإسلامية وخاصة في الشرق الأوسط كانت تنحدر سريعا نحو هاوية الحرب الطائفية (الشيعية – السنية) بفعل عمليات التفجير والقتل على الهوية في العراق، والتي ابتدأتها جماعة الزرقاوي منذ ثلاث سنوات وما أعقبها من ردود فعل شيعية مؤخرا، وخصوصا بعد تفجير سامراء في شباط الماضي، حيث قام بعض الجهلة أو المشبوهين بالانتقام من المساجد والمراكز والشخصيات السنية. وما رافق ذلك من تهجير متبادل وتطهير لمناطق عديدة في بغداد والبصرة، مما فتح أبوابا واسعة للفتنة الطائفية ، وهدد بانتشارها الى الدول المجاورة، وإدخال المنطقة برمتها في أتون حرب مستعرة يضطر فيها كل فريق لطلب النجدة من القوات الأجنبية المحتلة،  بعد أن يصبح "العدو" الطائفي شرا من اليهود والنصارى والاحتلال.

ولم تفلح مبادرة رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي للمصالحة الوطنية بإيقاف مسيرة الانحدار السريع نحو الهاوية، بالرغم مما قيل بتلبية فصائل عديدة في المقاومة لها.

ورغم أني أعرف جيدا عدم وجود عناصر واقعية أو جدية لقيام حرب أهلية طائفية في العراق أو في المنطقة،  بالإضافة الى معرفتي بوشائج الوحدة الإسلامية والوطنية التي تربو على مبررات الحرب، الا اني كنت أرى العراق والمنطقة كلها تنحدر حثيثا نحو هاوية الحرب الطائفية في حركة غير عقلانية وغير طبيعية، وهو ما كان سيسدد ضربة قاصمة لجهود النهضة الإسلامية والوطنية في عموم المنطقة، والتي كانت تحاول منذ عقود بناء أرضية صلبة لنظام إسلامي عادل ومستقل وموحد. وكان من المتوقع أن يضيف على عوامل الهزيمة عاملا جديدا هو الفتنة الطائفية التي سوف تقسم المقسم وتجزيء المجزأ وتشرذم الدول المجهرية التي لا حول لها ولا طول.

وبدلا من أن تقوم الحركة الإسلامية المعاصرة، التي كانت ترفض الوحدة القومية، بتوحيد الأمة الإسلامية، فإذا بها تقوم بتقسيم البلاد العربية والإسلامية الى خطوط جديدة، وهو ما كان سوف يعد وصمة عار في جبين الحركات الإسلامية كلها، الداخلة في الفتنة أو المتفرجة عليها، لأنها لم تستطع الحيلولة دون وقوعها.

وبناء على سير الأحداث، وتطور النزاع الطائفي كنت أتوقع، بل كنت أرى بوادر ردة شعبية عن الإسلام ،أو بالأحرى عن ما يسمى تيار الصحوة الإسلامية، ولا سيما بعد نجاح الفتنة في ضرب أمل الشعوب ببناء نظام إسلامي ديموقراطي عادل ومستقل.

ولعلي لا أعدو الحقيقة إذا قلت ان بعض الحركات الإسلامية وقع في الفخ الطائفي من دون أن يشعر، وأصبح أداة بيد القوى المعادية للشعوب ولحريتها واستقلالها وتمتعها بحقوقها الديموقراطية، والخائفة على عروشها أو الطامحة بإعادتها الى الوجود مرة أخرى. وفي حين كان يفترض بأي مقاوم مخلص وصادق وشريف أن يعمل من أجل بناء الجبهة الوطنية ويتعالى على أية خلافات واقعية، حسب المنطق الثوري، فقد رأينا بعض أدعياء المقاومة يبالغون في إثارة الخلافات القديمة والميتة ويشنون حربا على أكبر طائفة في البلد ، أجل تخويفها من "المقاومة" وإجبارها على الاحتماء بالوجود الأجنبي، أو إطالة فترة بقائه في البلاد ريثما تتم تصفية "الإرهاب" ويستتب الأمن والسلام.

ولست أدري لماذا كان رئيس ما يسمى بهيئة علماء المسلمين الشيخ حارث الضاري، الذي يزعم التصدي للاحتلال الأمريكي، بالعزف دائما على وتر الطائفية، الى درجة أخذ يطلق فيها شعارات تحريضية سرعان ما تلقفها دعاة الطائفية، بأن الشيعة قد قتلوا مائة ألف من أهل السنة بينما قتل الاحتلال مائة ألف آخرين، دون أن يشير الى قتلى الشيعة خلال السنوات الثلاث الماضية سواء من الاحتلال، أو من الإرهابيين الذين ما فتئوا يفجرون المساجد والحسينيات والأسواق والمدارس والبيوت والمقاهي والمآتم والأعراس، ويقتلوا مئات الألوف من الشيعة بالجملة والمفرق. وقد كان آخرها تفجيرات مدينة الصدر والمحمودية والكوفة التي ذهب ضحيتها المئات والمئات. وعندما يقتل هذا العدد الكبير من الناس فلا بد أن نتوقع بعض الردود من أهليهم وذويهم، مثلما حدث في حي الجهاد عندما قام بعض الشباب المنفعل بالثأر لأقاربهم الذين سقطوا بتفجير انتحاري أمام أحد المساجد في اليوم السابق. وبدلا من أن يدعو الشيخ الضاري الى الوحدة والعض على الجراح ودعوة الناس الى الهدوء، إذا به يشارك في حملة تحريض دولية ضد الشيعة، ويشعل المنطقة كلها.

وإذا كان زعماء القوم ينخرطون في عملية التحريض فماذا كنا نتوقع من الشباب والجهلة والبسطاء؟ غير الانخراط العنيف  في عمليات الثأر والانتقام، والانغماس في الحرب الطائفية المقيتة؟ ولهذا غلب علي التشاؤم في الأيام الأخيرة قبل أن يقوم حزب الله باختطاف الجنديين الإسرائيليين وإشعال الجبهة الإسرائيلية اللبنانية.

وبغض النظر عن النتائج التي ستسفر عنها الحرب الدائرة الآن في لبنان، أعتقد ان أولى ثمارها الإيجابية التي تحققت قبل أن تنتهي الحرب، هو تعزيز الوحدة الإسلامية في كل المنطقة، وقد رأينا المظاهرات الشعبية الحاشدة تخرج في كثير من البلاد العربية والإسلامية وهي تتوجه الى العدو الرئيسي وتنصرف  نفسيا عن الانخراط في الحرب الأهلية الطائفية.

ولكن هذا لا يعني أن مشروع الحرب الطائفية قد طوي تماما، إذ لا  تزال بعض العقول الطائفية المتحجرة تصر على توجهها الطائفي، وتحسب لكل شيء حسابا طائفيا، رغم أن بعضها يدعي مقاومة أميركا والعداء للصليبيين واليهود، الا انه لملم كل شعاراته السابقة وأخذ يوجه الاتهام لحزب الله بأنه يحول خدمة مصالح طائفته، قبل أن يحاول تسديد ضربة لليهود، بالرغم من أن فتح الحزب لجبهة الجنوب كان بهدف التخفيف عن الشعب الفلسطيني وحركة حماس بالدرجة الأولى.

وقد قرأت – مع الأسف الشديد - في موقع عراقي يدعي الانتماء للمقاومة، ما يلي:

 

"ان الصفويين أوكلوا حزب الله نيابة عنهم لكي يقوم بعملية الجنوب اللبناني وخطف الجنديين الإسرائيليين في محاولة للتأثير على الجماهير المذبذبة ، والتغطية على جرائمهم الهمجية بحق أهل السنة في العراق .و كبح جماح أي عملية فدائية قد تدور في مخيلة التنظيمات الفلسطينية في لبنان على ضوء تطورات الأحداث في غزة، ومشاغلة مشاعر الأمة الإسلامية وشل قدرتها على تحديد موقف ثابت من التشيع الصفوي لحساب المشروع الإيراني الجاري تنفيذه في العراق على يد عصابات إيران في بلاد الرافدين لتهيئة الأجواء لقيام دولة شيعية صفوية تكون شوكة في حلق الأمة العربية والإسلامية وقاعدة لنشر مذهبها في أخطر بقاع الأرض وأكثرها ثراءً على الإطلاق" .

  ومن يقوم بجولة سريعة على عدد من المواقع الطائفية والتي تغذي العنف الطائفي في العراق والمنطقة، يجد أنها مشغولة هذه الأيام بحساب مدى الخسارة التي سوف يمنى بها أهل السنة، ومدى الربح الذي سيحققه الشيعة في المستقبل، بعد فوز حزب الله في تحقيق النصر على إسرائيل، دون أن تحسب مدى العزة والكرامة والاستقلال الذي ستتمتع به الأمة الإسلامية كلها.

ويا ليت هؤلاء الطائفيين يخرجون من كهوفهم ساعة ليروا أن الشيعة الذين يعادونهم اليوم هم غير الصورة النمطية السلبية التي يحملونها في أذهانهم منذ القرون الوسطى، وان مشروعهم الوحيد ليس التبشير بمذهبهم وانما العمل مع إخوانهم "السنة" لتحقيق العزة والحرية والاستقلال والديموقراطية والعدالة لجميع أبناء أمتهم.

 

www.alkatib.co.uk

ahmad@alkatib.co.uk

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر