احزاب فارغة تلد اخري عديمة الروح
كتبها الشورى ، في 7 ديسمبر 2007 الساعة: 11:18 ص
طاحونة الاستنساخ في السياسة المغربية

كيــــف يمكن لكلمــــة الاستــــنساخ أن تكون مغربية؟
لا أحد من العلماء ولا من فقهاء اللغة، ولا من الباحثين في العلوم الانسانية يستطيع أن يقحم مثل هذه الكلمة الاشعاعية في القاموس المغربي. ولكنها رغم ذلك الأقرب ـ من حيث التعبير ـ إلي همومنا وقضايانا. فأوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، استقطبت مبكرا كلمة الاستنساخ وأعطتها شحنة قوية من المغربة لدرجة أصبح من الصعب معها علي الباحث فصل هذه الكلمة عن قاموسنا المغربي.
في الميدان السياسي وبالتحديد في المجال الحزبي، تبدو هذه الكلمة ذات دلالات واضحة، ذلك أن النتائج المحصل عليها من التعديدية الحزبية خلال العقود الخمسة الأخيرة، تعطي الأدلة القاطعة، أن الاستنساخ بكل شروطه وقيمه، قد تحكم في بناء المسار السياسي المغربي، وفي بناء أخلاق وسلوكات التعددية الحزبية وقادتها. لكن هذا الاستنساخ ـ مع الأسف ـ أخرج صورا مشوهة، بعضها لا علاقة له بالتعددية الحزبية، ولا بمفاهيمها الديمقراطية والسياسية.
ـ 2 ـ
من الناحية التاريخية، وقع أول استنساخ حزبي سنة 1959، حيث تم استنساخ حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، من رحم الاستقلال. لتتوالي بعد ذلك عمليات الاستنساخ الحزبي لكن مع الأسف، أغلبها لم تتوفر لها لا الجوانب ولا الشروط النفسية اللازمة لاكتمال الشخصية المستنسخة.
هكذا يمكننا أن نتوقف عند سلسلة من الانشقاقات الحزبية، التي لا يزيد الكثير منها عن مفاهيم الاستنساخ في أبسط مدلولاتها السياسية.
ـ في سنة 1967، يتم استنساخ حزب الحركة الشعبية الدستورية بزعامة الدكتور عبد الكريم الخطيب، من خلية جسدية تامة المواصفات الوراثية وهي خلية الحركة الشعبية بزعامة المحجوبي أحرضان.
و في سنة 1972 يتم استنساخ منظمة 23 بزعامة محمد بنسعيد آيت يدر، من خلية جسدية تامة المواصفات الوراثية، وهي خلية الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بزعامة المرحوم الأستاذ عبد الله ابراهيم.
ـ وفي سنة 1972 يتم استنساخ الاتــــحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة عبد الرحيم بوعبيد، من الخلايا الوراثية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بزعامة عبد الله ابراهيم.
ـ وفي سنة 1974 يتم استنساخ حزب العمل بزعامة عبد الله الصنهاجي من الخلايا الوراثية للحركة الشعبية بزعامة محجوبي أحرضان.
ـ وفي سنة 1981 يتم استنساخ الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة المرحوم محمد ارسلان الجديدي من الخلايا الجسدية تامة المواصفات الوراثية، لحزب التجمع الوطني للأحرار بزعامة أحمد عصمان.
ـ وفي سنة 1982 يتم استنساخ حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي بزعامة عبد الرحمان بنعمرو، من الخلايا الحية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بزعامة عبد الرحيم بوعبيد.
ـ وفي سنة 1991 يتم استنساخ حزب الحركة الوطنية الشعبية بزعامة محجوبي أحرضان، بعد طرده من الحركة الشعبية، من خلايا هذه الأخيرة التي أصبح يتزعمها محند العنصر وآخرون.
ـ وفي سنة 1996 يتم استنساخ حزب الحركة الوطنية الديمقراطية الاجتماعية بزعامة محمود عرشان، من الخلايا الحية للحركة الشعبية، بزعامة محند العنصر.
ـ وفي سنة 1997 يتم استنساخ جبهة القوي الديمقراطية، بزعامة التهامي الخياري، من الخلايا الجسدية التامة المواصفات الوراثية لحزب التقدم والاشتراكية بزعامة المرحوم الأستاذ علي يعثة.
ـ وفي سنة 2000 يتم استنساخ حزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة بوعزة يكن، من الخلايا الحية لحزب الحركة الوطنية الشعبية بزعامة محجوبي أحرضان.
ـ في ســــــنة 2001 يتم استنساخ حزب الاصلاح والتنمية بزعامة عبد الرحمان الكوهن من الخلايا الحية والنشيطة لحزب التجمع الوطني للأحرار، بزعامة أحمد عصمان.
ـ في نفس السنة (2001) يتم استنساخ حزب المؤتمر الوطني الاتحادي بزعامة عبد المجيد بوزوبع، من خلية تامة المواصفات الوراثية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بزعامة عبد الرحمان اليوسفي.
ـ في سنة 2002، يتم استنساخ حزب العهد بزعامة نجيب الوزاني، من الخلايا الوراثية لحزب الحركة الشعبية بزعامة أمحند العنصر.
ـ في سنة 2006 يتم استنساخ حزب العمل بزعامة عبد الكريم بن عتيق من الخلايا المتحركة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة محمد اليازغي.
ـ 3 ـ
هكذا إذن لعب الاستنساخ الحزبي دوره في تأثيث الساحة السياسية المغربية، بتعددية قائمة علي التفريخ والانشقاق. تعددية مخيبة للآمال ومعاكسة للطموحات، الكثير منها، وخاصة المتصلة بجسد الحركة الشعبية لا تتوفر علي أبسط شروط العمل السياسي. ذلك لأنها في أغلبها لم تتوفر لها الجوانب النفسية اللازمة لاكتمالها أو لتكامل شخصيتها ومن ثم جاءت في أغلبها، كيانات بدون نسب وبلا هوية. غير قادرة علي تلبية أبسط مطامح الديمقراطية، ذات أثر سلبي واضح علي الحياة السياسية المغربية، لا تعبر عن تطور أو نضج في الوعي السياسي المغربي، بقدر ما تعبر عن انتهازية صانعيها وعن انهزاميتهم.
في تفحص سريع للنماذج البشرية التي صنعتها لنا طاحونة الاستنساخ خلال هذه الفترة من التاريخ، ندرك بسهولة أن النتائج المحصل عليها جاءت مخيبة للآمال ومعاكسة للطموحات وذلك لأنها أعطتنا منظمات حزبية مشلولة وفارغة، الكثير منها بلا خطاب، بلا برنامج، وبعضها بلا هيكلة، وبلا تواصل أو إعلام. كما أعطتنا قادة وزعماء وأطرا، مرضي بالكذب ومرضي بسرقة المال العام، تحولت الانتهازية عندهم إلي سلوك سياسي، ترتبط بالتملق والاختلال والخداع والوصولية، والانتهازية كانت هدفهم الوحيد للحصول علي المقاعد الوثيرة، وعلي الامتيازات والمنح والأراضي والشركات ومقالع الرمال ورخص الصيد البحري ومحازن الأغذية. هدفها الأساسي، اقتناص الفرص في الإدارات العمومية والمنظمات الانسانية والحقوقية، من أجل الاجهاز علي حقوق الناس واستغلال تخلفهم وأميتهم وفقرهم وبؤسهم وجهالتهم.
ـ 4 ـ
مما لا شك فيه أن دولة المخزن، اعتمدت طوال هذه الفترة علي طاحونة الاستنساخ الحزبي. إذ عرف تاريخ المغرب في العقود الأخيرة، أسماء وأحزاب مستنسخة بعناية فائقة، حولت الأحزاب إلي آلات طيعة في يد السلطة.
وكأنها كانت منحوتة من تربة واحدة، من خلال طريقة عملها السياسي، شكلت نموذجا مستنسخا من جينة واحدة، هدفها القريب البعيد، تنميط قناعات المواطن، ونمذجته علي الخنوع وروح الانتظارية وعدم الالتزام بأي شيء خارج الكائن والممكن. وهو ما يعني أن عمليات الاستنساخ كانت فائقة الدقة، وعلي قدر كبير من التقنية العلمية.
ـ 5 ـ
هكذا عندما نستقريء نتائج هذا الاستنساخ وانعكاساته علي الساحة السياسية المغربية. ندرك بيسر وسهولة، أن الأحزاب المستنسخة، هي في أغلبها وفي أكثرها اطارات فارغة ، منعدمة الروح، لا قدرة لها علي الخلق والإبداع. وندرك أن الزعماء المستنسخين، هم مخلوقات غير سياسية، لا يتوفرون علي شروط البناء السياسي، لذلك جاءت نتائج هذا الاستنساخ علي قدر كبير من الخيبة والاحباط، وعلي قدر كبير من الاستنساخ.
والسؤال هو هل ما زال الوقت يسعفنا لايقاف هذا المسلسل الخبيث؟ أم أن عمليات الاستنساخ تظل سالكة أمامنا لانتاج المزيد من أحزاب وزعماء المسخ للتعبير عن الديمقراطية المغربية المزعومة؟
ہ كاتب مغربي
8
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























