اليماني والمهدوية وأحكام الضلال
كتبها الشورى ، في 29 يناير 2008 الساعة: 23:33 م
اليماني والمهدوية وأحكام الضلال
كتابات - ضياء الشكرجي
لأسباب كثيرة لم أكتب في موضوع أنصار اليماني أو أنصار المهدي رغم أهمية القضية، ولا أريد أن أفصل عن الأسباب التي منها شخصية محضة، ولكن أقول إنني عندما قرأت بعض ما كتب على الإنترنت وسمعت وشاهدت بعض ما بُثّ في الفضائيات عن الموضوع، وجدت من الغموض في القضية ما برر لي عدم الكتابة فيها. ومع هذا طلب مني بعض الأصدقاء - ولعلهم محقون - أن أكتب شيئا حول الموضوع، فوجدت أن أتناوله على نحو المفاهيم والملاحظات العامة، دون الالتزام بموقف لا أملك قاعدة تكوينه.
إذا كان ما عرضه ممثلو اليماني أو الحركة المهدوية أو أنصار اليماني أو أنصار المهدي، على اختلاف المسميات التي نعتوا بها، صحيحا بأنهم أصحاب رؤية وفهم خاص للدين والمذهب، فليس من حق أحد لا دينيا ولا قانونيا ولا دستوريا ولا ديمقراطيا ولا عقلانيا أن يلاحقهم بسبب دعوتهم، طالما التزموا الأساليب السلمية، أي الثقافية المحضة في الترويج لأفكارهم. وأستغني عن ذكر الأدلة الشرعية عن عدم جواز ملاحقتهم لهذا السبب، ناهيك عن عدم جواز ذلك دستوريا وقانونيا وديمقراطيا، لوضوحها. نعم إذا ثبت أن الترويج الفكري يمثل تمهيدا لمواجهة عسكرية مسلحة ضد الدولة والنظام أو ضد جماعات مدنية دينية أو سياسية أو شخصيات، فمن الطبيعي أن يكون من واجبات الدولة حماية نفسها وحماية رعاياها وحماية النظام العام من خطر هكذا فرق. ولكننا سمعنا على لسان مسؤولين عبارات غريبة، منها تسمية هؤلاء وغيرهم بأنهم فرق ضالة مضلة، وإلى غير ذلك، مما لا يمثل لا لغة سياسية ولا لغة قانونية، بل هي لغة دينية محضة ليس من شأن رجال الدولة أن يستخدموها في مثل هذه الأمور، إلا إذا كانت الدولة تستند إلى دستور ثيوقراطي أحادي شمولي، وليس دستورا مدنيا ديمقراطيا تعدديا، يضمن حرية الرأي والتعبير والاعتقاد ومزاولة الطقوس والشعائر الدينية لكل دين ومذهب. بل أختلف مع من ذكر أن إطلاق الحكم على فرقة ما أنها ضالة مضلة من شأن المرجعية الدينية وحدها، فأقول حتى المرجعية الدينية الواعية والمسؤولة ترأب أكيدا بنفسها عن هذه اللغة التكفيرية لأنها تربك الأمن والسلام الاجتماعيين، حتى لو صح حكمها على تلك الفرقة. والأغرب من ذلك هو أن بعض المسؤولين راحوا يتحدثون بلغة تذكرنا - حاشا لهم - بلغة صدام، عندما قال بعضهم أنهم سيلاحقون حتى المروجين لأفكار الفرق الضالة، وهذا يشبه تماما ما أصدره صدام من قانون إعدام المنتمين لحزب الدعوة والمتعاطفين معه والمؤيدين له والمتعاونين معه على أي نحو كان، بل وحتى المروجين لأفكاره. وظهر بعض ما يسمون أنفسهم برجال أو علماء دين من داخل وخارج العراق ليتحدثوا بلغة دعوى احتكار امتلاك الحق، من قبيل ذكر أن هذه الفرقة تمارس (تلبيس الحق بالباطل) وغيرها، وهذه لا تختلف عن لغة التكفيريين من السلفيين. نعم من حق كل إنسان أن يخطئ فكرة ما، ولكن دون أن يستعمل لغة القداسة الدينية، ولغة دعوى امتلاك الحقيقة المطلقة النهائية وغير القابلة للمناقشة التي يحتكر امتلاكها، ويعتبر كل ما يختلف عنها باطلا وضلالا وانحرافا وارتدادا وكفرا. وهذا يشمل حتى هذه الفرق التي أدافع هنا عن حريتها في الاعتقاد والترويج لعقيدتها، ولكن دون أن تكفر من يخالفها، حتى لو قال المخالف لها أن ما تتبناه خرافة. أما إذا صح أن هذه المجموعة إنما ووجهت بقوة السلاح والإبادة والملاحقة لمجرد نقدها للمرجعية والحوزة وقولها بعدم وجوب الخمس وبعض ما يراه معظم الشيعة - وليس كلهم بالضرورة - من ضرورات المذهب ومقدساته، فهذه بحق جريمة سياسية ودينية وإنسانية على حد سواء. وإذا كانت ثمة مؤسسات دينية وراء هذه المواجهة، فهذا ينذر بخطر قتل حرية الرأي وحرية الاعتقاد، وهذا ما أشرت إليه في مقالتي (الدين ومصادرة حرية الاعتقاد). ولو رجعنا إلى سيرة علي بن أبي طالب وأئمة أهل البيت لوجدنا أن هذا يخالف سيرتهم. وأرأب بالمرجعية أن تكون راضية عن هذه الإجراءات، ناهيك عن أن تكون داعية إليها ومفتية بها جوازا أو وجوبا. ثم يكون ذلك إدانة لالتزام المؤسسات التنفيذية للدولة الملتزمة بولاية الفقيه أكثر من التزامها بالدستور، بل في عرض ذلك الالتزام. ولكني لا أملك حاليا ما أتهم الحكومة به، ولا ما أتهم المؤسسة الدينية الشيعية ولا ما أتهم به اليمانيين أو المهدويين أنفسهم. أما إذا ثبت حقا أن هناك تجاوزا على القانون وعلى الأمن والنظام العامين للمجتمع من قبل هذه الفرقة، فمن حق بل من واجب الدولة التصدي لهم ولكن بحدود القانون وبمقدار التجاوز الحاصل من قبلهم، إذا حصل فعلا، ولا يجوز خرق مبادئ حقوق الإنسان في عملية المواجهة، إذا ثبتت مشروعيتها الدستورية والقانونية. وإذا ثبت بالعكس أن هناك تجاوزا من قبل الدولة ومؤسساتها فهذا مما لا يجوز السكوت عنه، فملاحقة الناس بسبب عقائدهم وليس لأي سبب آخر، حتى لو كانت عقائدهم خرافة أو كفرا أو إلحادا أو عبادة للشيطان أو شعوذة، لا يجوز ذلك، إلا إذا كانت عقائدهم تدعو إلى ما يتقاطع مع الدستور من إثارة ثقافة التطرف والعنف وإرباك السلام الاجتماعي وما يدعو إلى انتهاك الحقوق والحريات العامة المثبتة في الدستور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























