هل هناك تناقض بين الوحدة الوطنية والقومية والإسلامية؟
كتبها الشورى ، في 26 أغسطس 2006 الساعة: 13:51 م
بقلم أحمد الكاتب
تحتل مسألة الوحدة موقعا مهما في مسيرة الأمة العربية والإسلامية كشرط ضروري للنهوض الحضاري، في وقت يشهد العالم قيام تكتلات وحدوية كبرى في مختلف القارات، من الولايات المتحدة الأمريكية الى الاتحاد السوفيتي، ووريثه الاتحاد الروسي، الى الصين والهند الى الاتحاد الأوربي، الأمر الذي أعطى تلك التكتلات الوحدوية الكبرى هيمنة حقيقية على العالم وقوة كافية لحفظ أمنها والسماح لشعوبها بممارسة التطور وتحقيق التقدم على مختلف الأصعدة الاقتصادية والعلمية والسياسية والحضارية.
ولذلك تشعر الأمة العربية والإسلامية بوجود علاقة وثيقة بين واقعها المأساوي الرهيب وبين حالة التمزق التي تعيشها منذ مطلع القرن العشرين، وتدرك بأنها بدأت تنحدر نحو الانحطاط أو مزيد من التخلف منذ سقطت الدولة العثمانية التي كانت توفر قدرا كبيرا من الوحدة للعالم الإسلامي.
وليس خافيا على أحد ان الاستعمار الأوربي كان يجد في الوحدة الإسلامية النسبية التي كانت قائمة في ظل الدولة العثمانية، عائقا أمام مشروعه لغزو العالم الإسلامي، ولذلك طرح الاستعمار شعار الوحدة العربية، قبيل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، لتمزيق الوحدة الاسلامية، وعندما نجح في القضاء على الدولة العثمانية واحتلال البلاد العربية، وضع ذلك الشعار جانبا، وأقام دولا إقليمية متعددة هنا وهناك.
وفي الوقت الذي كان يحظر على العرب والمسلمين التفكير بأية وحدة قومية أو إسلامية، وفر الاستعمار الأوربي الظروف المناسبة لقيام دولة إسرائيل في فلسطين على أساس الوحدة القومية اليهودية، كمثال فريد ومناقض للمنطق السياسي"العلماني" في العالم المعاصر، حيث أصبح من حق أي يهودي في العالم أن يأتي الى إسرائيل ويتمتع بحق الحياة فيها بغض النظر عن قوميته ولغته وجنسيته.
ورغم عدم وجود تناقض بين الإسلام والوحدة العربية، خُيِّل الى كثير من أبناء الأمة استحالة التوفيق بينهما، فراح بعضهم يدعو الى الوحدة الإسلامية في حين راح بعضهم يدعو الى الوحدة القومية. وبعد حوالي قرن من السجال بين الفريقين لم تتحقق الوحدة القومية (العربية) ولا الوحدة الإسلامية، فقد فشلت "الجامعة العربية" كما فشل "المؤتمر الإسلامي" في تكوين كتلة سياسية قوية في مواجهة التكتلات السياسية الكبرى في العالم، وبالتالي ضاعت الأمة العربية والإسلامية وفقدت كلمتها، وأصبحت عرضة للطامحين والمحتلين والغزاة.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل أصبح خطر التقسيم والتشرذم يهدد الكثير من الدول العربية والإسلامية، ليس بإرادة الاستعمار فقط ، وانما بدفع من بعض القوى القومية التي راحت تفرز السكان على أساس عنصري، وتشكك في هويتهم القومية "العربية"، وأيضا بدفع من بعض القوى الإسلامية المتطرفة التي راحت تقسم المواطنين على أساس ديني، وتشكك في هويتهم "الإسلامية". مما خلق أزمة هوية حقيقية في البلد الواحد، حتى لم يعد الفرد العادي يثق بهويته العربية والإسلامية، التي لا يعترف بها كثير من القوميين العرب والإسلاميين.
وهنا تصاعدت الدعوة الى التعايش على أساس الانتماء الى الوطن، أو الهوية الوطنية، كحل لأزمة الهوية القومية والإسلامية. كما هو الحال في كثير من دول العالم، وخاصة أمريكا وأوربا، التي يتم التعامل مع الناس على أساس الجنسية أو الإقامة في البلد، بغض النظر عن الأصول القومية أو الهوية الدينية.
ومع ان هذه الدعوة الوطنية تشكل حلا معقولا وعمليا للتعايش السلمي بين الناس، الا انها تواجه معارضة شديدة من بعض الفئات الإسلامية، انطلاقا من تعارض "الوحدة الوطنية" مع الإسلام، لأنها في نظره تعني "تغييب عقيدة الولاء والبراء في الله؛ واستبدالها بعقيدة الولاء والبراء في الوطن وعلى أساس الانتماء الوطني الإقليمي، بغض النظر عن دين وعقيدة، وعمل وأخلاق هذا الذي ينتمي إلى الوطن. وانها تعني عدم التفريق بين أبي جهل القرشي المكي الوثني، وبين أبي بكر الصديق القرشي المكي؛ لأن كلاهما ينتميان إلى وطن وبلد واحد. وبالتالي فلهما نفس الحقوق، وعليهما نفس الواجبات، بغض النظر عن دينهما ومعتقداتهما. وان الوحدة الوطنية: تعني أن يتساوى فيها أشرف وأعلم وأتقى الخلق مع أكفر وأفجر وأجهل الخلق.. وان هذه الدعوة الباطلة تكرس عبادة الوطن ووثنيته والولاء له وفيه من دون الله. وان الوحدة الوطنية تتعارض مع الوحدة الإسلامية التي تقوم على الأخوة بين المسلمين، وحدهم دون سواهم، من كانوا وأينما كانوا، وبغض النظر عن انتماءاتهم الوطنية أو الإقليمية. تلك الوحدة التي توجب العداوة والبغضاء والبراء تجاه غيرهم من الذين كفروا ونافقوا وأشركوا وأجرموا، وإن كانوا من ذوي القربى أو من الوطن أو غير الوطن، أو ممن ينتمون إلى وطن أو قطر واحد أو قومية واحدة أو غير ذلك".
ويضيف بعض الإسلاميين "بأن الوحدة الوطنية تعني الدعوة إلى الجاهلية و العنصرية ، وأنها تعقد الحقوق والواجبات والموالاة والمعاداة على أساس الانتماء للقطر أو الإقليم . وان الإسلام بريء من هذه العنصرية الضيقة،إذ أن رسول الإسلام بعث رحمة للعالمين كافة ومساحة دعوته هي الأرض كلها، وليس قطر دون قطر.. كما أن أخوة الإسلام والإيمان تشمل جميع مؤمني ومسلمي أهل الأرض على اختلاف مواقعهم وأوطانهم وألوانهم ولغاتهم وأجناسهم، وانها أكبر من أن تُحصر في بقعة أو قطر معين دون غيره من الأقطار والأمصار".
وذهب بعض دعاة الوحدة الإسلامية الى حرمة الاعتراف بالحدود الدولية القائمة بين المسلمين، وضرورة اختراقها وإسقاطها وتجاوزها بدون جوازات سفر، قدر المستطاع. لأن الحدود من صنع الاستعمار، وان المسلمين لم يكونوا يعرفون هذه الحدود ولا الجنسيات والجوازات قبل قرن من الزمن.
ومع التسليم بضرورة المحافظة على أواصر الوحدة الإسلامية والتعالي على الحدود القومية والإقليمية، والاعتراف بدور الاستعمار في تمزيق المسلمين، الا ان العودة اليوم الى استخدام المنطق الديني في التعامل مع جميع المسلمين في مختلف أنحاء العالم، وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، كما يتعامل مثلا الإسرائيليون مع اليهود، حيث يعطونهم الجنسية الإسرائيلية ويسمحون لهم بالسكن في دولتهم ويلتزمون تجاههم اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، يواجه صعوبات عملية إذا لم يكن مستحيلا، ضمن الظروف التي تحيط بكل دولة عربية أو مسلمة.
فمثلا، هل يمكن السماح لكل المسلمين من جميع أنحاء العالم بالقدوم الى المملكة العربية السعودية والتوطن فيها، والتمتع بخيراتها وثرواتها؟ وهل تسمح المصلحة العامة للسكان الأصليين بالترحيب بجميع المسلمين في الجزيرة العربية، رغم قلة الماء والطعام وضيق المساحة الصالحة للسكن؟
وكذلك القول بالنسبة للبلاد الأخرى الأصغر مساحة أو الأقل ثروة.
وهكذا بالنسبة للأمن والدفاع، هل يمكن القول بوجوب انخراط جميع المسلمين في حرب مع أية دولة في العالم تشتبك مع أية دولة مسلمة، أو مع أية جماعة إسلامية حتى إذا كانت تعيش داخل تلك الدولة غير المسلمة؟ وهل يجب أن يعلن المسلمون في جميع أنحاء العالم الحرب على روسيا لأنها تخوض – مثلاً- حربا مع الشيشان؟ حتى إذا كان إعلان الحرب يهدد المصالح العامة للدول الإسلامية؟ أم ان للمبادئ العامة في الأخوة الإسلامية حدود معقولة ضمن المصالح العامة، وعدم تهديد أمن الدول الإسلامية؟
ان الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يجيب على ذلك بوضوح. فإضافة الى كون كل مبادئ الإسلام محدودة بحدود العقل والمصلحة العامة، فقد قام الرسول الأعظم بضرب مثل رائد في الالتزام بمصلحة الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة المنورة، بعد صلح الحديبية، ووقع على بند ينص على " أن أي قرشي ينضم للمسلمين دون موافقة ولي أمره يقوم المسلمين بإعادته لقريش، وأن أي مسلم مرتد يلتجأ لقريش لا تعيده قريش إلى المدينة". وعندما هرب أبو بصير من تعذيب قريش، أعاده النبي فوراً الى المشركين، حسب اتفاقية الصلح بينه وبينهم، فقتل أبو بصير مولاه في الطريق والتجأ الى منطقة محايدة تسمى "العيس" على شاطيء الجزيرة. ثم التجأ اليه المسلمون الجدد من قريش، وأصبحوا يشكلون "دويلة" أخرى، أو يسيطرون على بقعة ثالثة من الأرض بين مكة والمدينة. وأخذوا يهددون تجارة قريش حتى اضطرت الى الطلب من النبي أن يقبلهم في صفوفه. وهو ما يؤكد أن دعوة الإسلام الى الهجرة محدودة بقدرة النبي على استقبال المهاجرين، وعدم تعريض المصلحة أو الأمن العام لدولة المدينة للخطر.
وعندما انتهكت قريش بعض بنود الصلح بينها وبين النبي بالاعتداء على حلفاء النبي من قبيلة خزاعة المشركة، استحل النبي غزو مكة، في حين انه لم يجد نفسه مضطرا للدفاع عن المسلمين خارج دولته.
وهذا يقدم لنا أعظم درس في التوفيق بين المبادئ والمصالح السياسية العامة. كما يعني ان الولاء والبراء ليس مطلقا ، وانما هو مرتبط بمصالح الناس العامة، فإذا أضر بهم فانه يحدد بالحدود المعقولة.
وفي الوقت الذي يجب مساندة كل مظلوم في الأرض أو نصرته، فانه يمكن النظر الى القدرات الفعلية لكل دولة إسلامية ، وملاحظة الاتفاقيات الدولية الموقع عليها، والتفريق بين مواطني الدولة والدفاع عنهم، وبين غير المواطنين الذين لا يلتزمون بالدفاع عنا أو لا نلتزم بالدفاع عنهم.
وبالطبع لا يعني ذلك القبولَ بواقع التجزئة الراهنة، أو المحافظة على كيانات الدولة الإسلامية المجهرية، بل يجب السعي الى الوحدة والاتحاد بين المسلمين، سواء على صعيد إقليمي أو قومي أو عالمي إسلامي، وكلما توحد المسلمون كلما ازدادوا قوة ومنعة وقدرة على التقدم في سائر المجالات الحضارية. وإذا كان النبي (ص) قد قبل في ظرف معين صلح الحديبية غير المتوازن، والمانع من نصرة المسلمين أو تقبل المهاجرين الجدد، فان النبي لم يلتزم بذلك الصلح وشروطه الى الأبد، وانما سعى من أجل تغيير المعادلة السياسية والعسكرية لتكون كلمة الله هي العليا، وتقوم دولة الإسلام الكبرى.
ولئن كانت كل دولة إسلامية اليوم تلتزم باتفاقيات معينة مع الدول الأخرى، وتحافظ على مصالحها الخاصة أمام الدول الإسلامية، فان ذلك لا يعني جواز القبول بهذا القدر الاستعماري، بل يجب السعي من أجل التوحد مع الدول الإسلامية الأخرى للتحرر من الهيمنة الأجنبية.
وإذا كانت الوحدة الإسلامية واجبة، فانها لا تتناقض مع الوحدة القومية أو الوطنية، إذ أن الوحدة الوطنية تعني توفير الحقوق الإنسانية والحريات الطبيعية لكل من يعيش بين ظهرانينا بصورة شرعية، مع الحق في الاختلاف والتمحور والمحافظة على الفوارق الأخرى الدينية والقبلية والحزبية بصورة لا تضر بتلك الحقوق والحريات العامة للآخرين. ان الوحدة الوطنية لا تمنع من الوحدة والتعاطف والتضامن مع المتفقين في الدين خارج الوطن، أو خارج العالم الإسلامي. كما ان الوحدة الإسلامية لا تمنع من التعاطف والتعاون مع سائر البشر في الدول الأخرى، واحترام حقوقهم وحرياتهم.
وهو ما قام به الرسول الأعظم (ص) عندما قدم المدينة حيث وقع صحيفة السلام بينه وبين اليهود، وأعلن أنهم جميعا أمة واحدة، كما يلي: «وإن يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم. و أن لبقيّة قبائل اليهود ومَن يرتبط بهم ما لقبيلة بني عوف وهم يهود بني النجّار ويهود بني الحارث ويهود بني ساعدة ويهود بني جُشم ويهود بني الأوس ، ويهود بني ثعلبة" .
وجاء في تلك الصحيفة : "إن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وإن بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة ، إن بينهم النصح والنصيحة ، والبرّ دون الإثم ، وإنّه لم يأثم امرؤ بحليفه ، وإنّ النصر للمظلوم .. وان بينهم النصر على مَن دهم يثرب ، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنّهم يصالحونه ويلبسونه .. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة " .
إذن فقد اعترف الرسول الأعظم بمواطنيه من اليهود في المدينة المنورة، ولكن بعض المنادين بالوحدة الإسلامية يرفض مبدأ المواطنة حتى مع المسلمين، ولا يعترف بإسلام كثير من المسلمين في داخل البلد الواحد، ويقسم المجتمع المسلم الى "مسلمين" و"غير مسلمين". فلا يحظى بالوحدة الإسلامية ولا بالوحدة الوطنية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























